نقاط المراقبة حول إدلب: تقاسم النفوذ وتأمين الطرق الدولية

 

أعلنت وزارة الدفاع الروسية الأربعاء الماضي استكمال نشر نقاط المراقبة العسكرية في محيط محافظة إدلب وفقاً للتفاهمات في أستانا، التي تضمنت التوافق على نشر سبع نقاط إيرانية وعشرة لروسيا ضمن مناطق سيطرة النظام، فيما نشرت تركيا اثنتي عشرة نقطة مراقبة ضمن مناطق سيطرة فصائل المعارضة.

73d85c24-c025-4c98-9ff4-d1dd31433715.jpg

صورة عرضتها وزارة الدفاع الروسية خلال إعلانها استكمال نشر نقاط المراقبة حول إدلب

المهمة الرسمية لهذه النقاط هو رصد الخروقات التي قد يرتكبها أي طرف محلي لاتفاق خفض التصعيد، وإصدار بيان مشترك حولها، تتكفل بنشره وزارة الدفاع الروسية بشكل دوري على موقعها وحساباتها على مواقع التواصل الاجتماعي.

أما الدور الرئيسي المفترض لهذه النقاط، فهو تثبيت شكل خارطة السيطرة في إدلب، وأن تشكّل مانعاً أمام التصعيد العسكري في المنطقة، لكنها في الواقع تحمل أثراً أوسع من مجرد تطبيق مذكرة خفض التصعيد في إدلب، التي لم تلتزم روسيا بتنفيذها في مناطق أخرى مثل ريف حمص الشمالي والغوطة، إذ تبدو هذه النقاط رسماً لخطوط نفوذ الدول الثلاث الراعية لمؤتمر أستانا في سوريا.

نفوذ يتم بموجبه ضمان الحركة التجارية في سوريا، بما يتوافق مع استعادة البلاد دورها كمركز لتجارة الترانزيت البرية نحو الجنوب (الأردن ودول الخليج)، فالحديث لا يتوقف اليوم على نشر نقاط مراقبة في محيط خطوط التماس وحدها، بل يتعداها إلى تأمين أوتوستراد حلب-حماة، وهو جزء من الطريق الدولي الممتد من تركيا نحو الأردن جنوباً.

هذا التطور الذي يصبّ في مصلحة الاقتصاد التركي لتسهيله الحركة التجارية نحو دول الخليج والمنطقة عموماً، سيحقق هدفاً أساسياً لموسكو وهو إظهار عودة أحد مظاهر الحياة الاقتصادية في سوريا، الأمر الذي سيساهم في دعم حملة العلاقات العامة التي تديرها موسكو حول دورها في البلاد، كما أنه سيعيد ربط دول الجوار بمصالح اقتصادية لن ترغب بقطعها مجدداً، وخاصة بالنسبة للأردن الذي يضغط على فصائل الجنوب لإعادة فتح معبر نصيب الحدودي وتسليمه للنظام السوري ليديره، في سبيل إعادة شريان تجاري حيوي بالنسبة لعمّان.

وتشكّلُ مسألة إعادة الحياة للطرق الدولية في سوريا مسألة حيوية بالنسبة لاستراتيجية موسكو في سوريا، وفي الوقت الذي مكّنها انتصارُها العسكري بعد المجازر التي ارتكبتها في الغوطة الشرقية من تأمين أوتوستراد دمشق-حمص الدولي، ومكّنها اتفاقُ التهجير الذي فرضته في ريف حمص الشمالي من السيطرة على أوتوستراد حمص-حماة الدولي، فإن التوافق مع تركيا على نشر نقاط مراقبة لتأمين أوتوستراد حلب-حماة سيكون الخطوة قبل الأخيرة في تأمين الطريق الدولي الرئيسي في سوريا، والممتد شمالاً من الحدود التركية شمال حلب نحو الحدود مع الأردن في محافظة درعا، خاصة أن التسريبات الصحفية تتحدث عن اتفاق روسي-تركي لإعادة العمل بطريق حلب-غازي عينتاب الدولي.

whatsapp_image_2018-05-18_at_01.45.44.jpeg

خريطة نشرتها وكالة الأناضول التركية، تُظهِرُ نقاط المراقبة التركية في إدلب
خريطة نشرتها وكالة الأناضول التركية، تُظهِرُ نقاط المراقبة التركية في إدلب

سيحمل مثل هذا السيناريو عدة نتائج أساسية، فتأمين الطرق بين حلب وحماة سيعني أن الوزن الاستراتيجي لجنوب حلب، الذي تسيطر على أجزاء منه الميليشيات الإيرانية، سيتراجع من الناحية العسكرية والاقتصادية، كما أن افتتاح الطرق الدولية من جديد سيسهل إعادة ربط المناطق في سوريا بالدورة الاقتصادية المركزية في دمشق، التي يشرف عليها بشكل رئيسي رجال أعمال ومتنفذون مرتبطون بشكل عضوي بالنظام السوري، وسيؤدي إلى تعزيز سيطرة المنتجات التركية على السوق السوري بعد خسارة النسبة الأكبر من المنشآت الصناعية في البلاد.

إلى جانب التأثيرات الاقتصادية، فإن تثبيت مثل هذه التفاهمات سيعني أن الطريق أصبحت جاهزة أمام تثبيت التفاهمات الأهم في سوريا بين الدول الثلاث (روسيا وتركيا وإيران) لإكساب الشرعية لتقاسم النفوذ ضمن اتفاق سياسي ترعاه تلك الدول، وتبدو الضغوط التي تتعرض لها طهران مثالية لتنفيذ مثل هذه الاتفاقات، التي لطالما عارضتها إيران في سبيل الحصول على الحصة الأكبر من السيطرة نتيجة تورط ميليشياتها بدعم قوات النظام بشكل مباشر على الأرض ومنذ بداية الثورة في سوريا.

من تركيا نحو الأردن ومن طهران نحو البحر المتوسط، يبدو أن كل طرق الإقليم تمرّ من سوريا، إلا أن تعبيدها لم يتم إلا عبر تهديم البلاد، وعلى حساب دماء ومعاناة وآلام ملايين السوريين. وإذا كان النظام في دمشق يبدو بموجب هذه التفاهمات آمناً على نفسه، فإن ذلك ليس نتيجة «انتصاراته» التي حققتها الطائرات الروسية، بل نتيجة تسليمه بحقيقة أنه الحلقة الأضعف في معادلة «المنتصرين»، وقبوله بتسليم البلاد لرسم خرائط السيطرة والنفوذ الإقليمية والدولية، مقابل الإبقاء عليه في سدة السلطة.