نيكاراغوا: دانييل أورتيغا يغرق في «انتصاره»

 

في خطابه الحماسي الغاضب في إحدى ساحات ماناغوا الكبرى، في التاسع عشر من تموز الماضي بمناسبة الذكرى التاسعة والثلاثين لانتصار الثورة الساندينية عام 1979، استحضر الرئيس دانييل أورتيغا، برفقة روساريو موريجو، زوجته ونائبة رئيس الجمهورية، عدّة الخطاب المناهض للإمبريالية ومؤامراتها لإلقاء أبشع الأوصاف على أكثر من ثلائمئة قتيل سقطوا ضحايا قمع الاحتجاجات الشعبية القائمة ضدّه منذ أواسط نيسان الماضي، ومئات المعتقلين وآلاف المتوارين هرباً من حملات القمع التي قادتها الأجهزة الأمنية و«القوات الموازية» من البلطجية الموالين له. متّهماً أحزاب المُعارضة والتنظيمات الطُلابية وجمعيات المزارعين، وهيئات المجتمع المدني وحقوق الإنسان، بالعمالة لجهات خارجية تسعى لزعزعة الاستقرار في نيكاراغوا.

أتى خِطاب أورتيغا الحماسي هذا بعد شعوره بالانتصار إثر نجاح أجهزته الأمنية، بدعم من «القوات الموازية»، في كسر شوكة الاحتجاجات الشعبية واقتحام الجامعات الحكومية التي كانت الحركات الطلابية قد تمترست بها، لا سيما جامعة نيكاراغوا الوطنية المستقلة في ماناغوا؛ كما نجحت القوات الموالية لأورتيغا في اجتياح مدينة ماسايا، أحد أهم معاقل الاحتجاجات ضد حُكم أوتيغا وزوجته. كان من المهم، على المستوى الرمزي والسياسي، لأورتيغا أن يحسم بقوّة قبل الذكرى الـ 39 لانتصار ثورةٍ كان أحد أبرز قادتها وممثلاً لأكبر فصائلها في المجلس الحاكم، قبل أن يصبح رئيساً للبلاد بعدها بسنواتٍ قليلة.

وصل دانييل أورتيغا إلى مجلس الحُكم المُشكّل بعد انتصار الثورة الساندينيّة عام 1979 وإسقاط حكم عائلة سوموزا، التي حكمت نيكاراغوا بالحديد والنار ونهبت خيراتها طوال أربعة عقود، تمتّعت خلالها بدعم وغطاء الولايات المتحدة سياسياً وعسكرياً. وإثر انتهاء فترة مجلس الحكم، فاز أورتيغا في لانتخابات الرئاسية نهاية عام 1984 ممثلاً للجبهة الساندينية للتحرّر الوطني. خلال النصف الثاني من الثمانينات، استلهم أورتيغا من كوبا تطبيقات السياسات اليسارية في إعادة توزيع الثروة ونشر التعليم والرعاية الصحّية الأولية، واستلهم من النموذج الكوبي أيضاً القبضة الحديدية للسيطرة على الحريّات العامة وتقييد الصحافة والعمل الثقافي، كما بنى علاقات وثيقة مع كتلة حلف وارسو، متخذاً مواقف حادة ضد الولايات المتحدة. بدورها، موّلت وكالة المخابرات المركزية الأميركية ودرّبت مجموعات «المقاومة النيكاراغويّة»، المشهورة باسم «كونترا»، والتي شنّت عمليات عسكرية ضد الحكومة الساندينية وقواعدها الشعبية. افتضح التورّط الأميركي في تمويل وتدريب فصائل الكونترا إثر الكشف عن صفقة بيع أسلحة أميركية لإيران خلال سنوات الحرب العراقية-الإيرانية، استُخدم عائدها المادي لتمويل الكونترا بشكل سرّي ودون موافقة مجلس الشيوخ، عُرفت هذه الفضيحة بـ «إيران-غيت» أو «إيران-كونترا»، وتسببت بزلزال سياسي وقضائي في الولايات المتحدة، وضجيج دولي كبير.

عاشت نيكاراغوا أوضاعاً مضطربة خلال فترة رئاسة أورتيغا وحزبه، الجبهة الساندينية للتحرر الوطني، خلال النصف الثاني من الثمانينات، وذلك بسبب الحرب مع الكونترا، وتردّي الأوضاع الاقتصادية والموقع الدولي بسبب تشقق وانهيار جبهة حلف وارسو، الداعم الأبرز لنيكاراغوا الساندينية. أمام هذا الوضع القلِق، دعا أورتيغا لانتخابات رئاسية في شباط 1990 مُرشّحاً نفسه لولاية جديدة، لكنه خسر أمام فيوليتا باريوس، شريكته السابقة في مجلس الحُكم التالي لسقوط سوموزا، ومرشحة الائتلاف الوطني المعارض، وهي جبهة عريضة من 14 حزباً تجمع بين اليمين المُحافظ والوسط والحزبين الشيوعي والاشتراكي، تشكّلت بغرض توحيد الجهود لإسقاط أورتيغا انتخابياً.

ortega-19-de-julio-2-750x500.jpg

أورتيغا برفقة روساريو موريجو، زوجته ونائبته- لا برينسا

إثر 17 عاماً في المعارضة، عاد أورتيغا إلى سدّة الحكم إثر انتخابات تشرين الثاني 2006، والتي خاضها بخطاب متجدد، ذو شحنة سلمويّة عالية -بما يشمل استخدام أغاني جون لينون كأناشيد للحملة- مطعمة بروحية مسيحانية، ووعود باحترام الملكية الخاصة والاقتصاد الحُر والاتفاقات التجارية مع الولايات المتحدة. وحال وصوله إلى الحكم تحالف بشكل وثيق مع فنزويلا الشافيزية وباقي دول الكتلة البوليفارية، التي كانت قد استفادت من ارتفاع أسعار النفط لتحسين أوضاعها الاقتصادية وثقلها الاستراتيجي. وعدا عقود النفط بسعر أدنى، وتسهيلات لاستيفاء ثمنه وامتيازات للحكومة النيكاراغوية لتلعب دور الوسيط في التجارة النفطية، دعمت فنزويلا حُكم دانييل أورتيغا مالياً بشكل مباشر وشخصي طوال العقد الأخير بمبالغ تُقدّر بأكثر من أربعة مليارات دولار، استفاد منها أورتيغا لتمويل وتنمية الشبكة الزبائنية المتنامية حوله وحول زوجته، روساريو موريجو، وأبنائهما، الذين توازعوا السيطرة على القطاعات الاقتصادية الاستراتيجية الأهم في البلاد.

جدّد أورتيغا ولايته الرئاسية في 2012 و 2016، في انتخابات حامت حولها اتهامات التلاعب والتزوير، والجدل الحاد حول شرعية إعادة ترشيح الرئيس نفسه لولاية جديدة، ما ينافي الدستور النيكاراغوي الذي يمنع تجديد ترشيح رئيسٍ يمارس الحكم لحظة الدعوة للانتخابات، لكن أورتيغا قفز فوق المعضلة الدستورية بالغَلبة والتسلّط، قبل أن يُدخل التعديلات الدستورية الملائمة له.

خلال العقد الأخيرة، عمل أورتيغا على مراكمة أكبر قدر من السلطة في يده ويد زوجته، التي أصبحت نائبةً للرئيس اعتباراً من 2016، في ترجمة رمزية لنفوذٍ موريجو العميق في السياسة والقرار ضمن منظومة السلطة. خلال فترتيه الأوليين والعام ونصف الجاري من فترته الثالثة، قضى أورتيغا على استقلالية القضاء، وهيمن بالكامل على مؤسسات الدولة وأجهزتها، وسيطرت المجموعات المقرّبة منه، خصوصاً أولاده، على مفاتيح الاقتصاد الوطني، وقيّد حرّية الإعلام عن طريق شراء رجال الأعمال المرتبطين به أكبر قدر ممكن من وسائل الإعلام، وتقييد عمل تلك الوسائل المُقاوِمة للاستحواذ، كما استفاد من المال الفنزويلي لبناء شبكات زبائنية مدّته بـ «قوات موازية» من البلطجية تدين له بالولاء الكامل، وتعمل كقوّة ضاربة شرسة بوجه أي تحرّك احتجاجي.

اقتصادياً، بنى أورتيغا علاقات اقتصادية وثيقة مع روسيا والصين في مجالات الإنشاءات والمناجم، واستحوذت الصين على عقد إنشاء قناة جديدة تصل المحيطين الأطلسي والهادي، شمل سيطرة الشركة الصينية المنفّذة على كمية هائلة من الأراضي والبُنى التحتية لمدة خمسين عاماً قابلة للتجديد خمسين عاماً أخرى، في عقد طافح بالمخالفات الدستورية والزوايا المُعتمة. وقد تمكّن أورتيغا من الاستحواذ على السلطة بهذا الشكل في ظل تشرذم وانقسام المعارضة، أكان ضمن انشقاقات الحركة الساندينية نفسها، أو القطاعات الليبرالية المُمثلة للطبقات الوسطى المدينية، أو في الأرياف المتأذية من سياسات أورتيغا، لا سيما من عقده مع الشركة الصينية، الذي يُقدّر عدد المتضررين منه بحوالي 30 ألف مزارع.

انفجرت احتجاجات شعبية عارمة في وجه أورتيغا أواسط نيسان الماضي إثر قرار حكومي بتخفيض الرواتب التقاعدية وتعديل قوانين الضمان الاجتماعي بما يضرّ بمصالح الفئات الأكثر حاجةً لهذا الضمان، ورغم أن الحكومة ألغت هذه القرارات لاحقاً إلا أن الاحتجاجات تصاعدت وامتدت في البلاد، معتمدةً على الحركات الطلابية وجمعيات المزارعين، التي التقت مع جهود هيئات المجتمع المدني ومنظمات حقوق الإنسان في مقاومة حملة القمع الشرسة التي شنّتها الأجهزة الأمنية  و«قوات دانييل» البلطجية. ورغم قبول أورتيغا مبدئياً بوساطة الكنيسة الكاثوليكية -التي احتفظ بعلاقة طيبة معها منذ عودته للرئاسة في انتخابات عام 2006- إلا أن العلاقة تردّت عندما توضّح سريعاً أن قبوله هذا لم يكن إلا كسباً للوقع من أجل امتصاص الصدمة وشنّ الهجوم المضاد، هجومٌ أدّى لقمع موجة الاحتجاجات واجتياح الجامعات ومدينة ماسايا، موقعاً مئات القتلى وآلاف الجرحى والمعتقلين؛ وهجوم أدّى أيضاً لقطيعة تامة مع الكنيسة الكاثوليكية نفسها، التي تلقّت كمّاً من الإهانات والشتائم من أورتيغا في خطاباته وحواراته الصحفية، ما يشي بانعدام أي إمكانية لبيئة حوار وطني تصل إلى مخرج توافقي للأزمة.

masaya-nicaragua-770x433.jpg

من صِدامات مدينة ماسايا- VPITV

حتى الآن، تمكّن دانييل أورتيغا من الحسم أمنياً، لكن ثمن هذا الحسم الأمني أتى على شكل ضغوط إقليمية ودولية كبيرة، خاصةً من قِبل منظمة الدول الأميركية، وتردّياً في الوضع الاقتصادي خلال الشهور الأخيرة، تتضاعف آثاره في ظلّ انهيار الحليف والداعم الإقليمي، فنزويلا، الواقعة بدورها في أزمة سياسية واقتصادية طاحنة. وعدا دعم إعلامي وسياسي روسي، يجد صداه الأكبر في قناة روسيا اليوم الناطقة بالاسبانية، لا حليف لأورتيغا إلا المراهنة على صمت دونالد ترامب بخصوص نيكاراغوا حتى الآن (رغم تصاعد الانتقادات داخل المؤسسات الأميركية، لا سيما من قِبل مسؤولين وأعضاء كونغرس من ذوي الأصول الهِسبانيّة)، ما فسّره أورتيغا على أنه تفضيل البيت الأبيض عدم المسّ جدّياً باستقرار نيكاراغوا، ذات الموقع الاستراتيجي بالنسبة للولايات المتحدة بما يخص مكافحة تجارة المخدرات وإغلاق طرق الهجرة «غير الشرعية». لذلك، يبدو أورتيغا في تصريحاته حريصاً على كيل الشتائم لميامي -معقل اللجوء والهجرة الهِسبانية في الولايات المتحدة، وذات الرمزية السلبية لليسار اللاتيني بوصفها معقلاً لـ «المتآمرين» و«الخونة»- دون أن يقترب من واشنطن، ومن البيت الأبيض خصوصاً، في هجماته اللفظية.

يتمركز الحُكم والقرار والثروة في يد أورتيغا، فعلياً ورمزياً، فيما يبدو وكأنه استيفاء دينٍ يعتقد السانديني العتيق أن البلاد مدينةٌ له به. في المقابل، يموت أبناء وأحفاد ثوار ساندينيين حملوا السلاح ضد حُكم سوموزا على يد قوّات الأمن وبلطجية محصّنون لا يتوقفون عن الهُتاف لـ «دانييل»، وفي حين تتوجّه البلاد نحو استذكار مرور أربعين عاماً على سقوط حُكم سوموزا في تموز 2019، في شهورٍ يبدو واضحاً أنها ستكون الأصعب في تاريخ نيكاراغوا المُعاصر. يبدو أن سوموزا لم يرحل تماماً، بل أنه يطلّ برأسه على ماناغوا على هيئة ثائر سانديني بشاربين كثّين.