هجين: معركة متجددة ومخيم منكوب

 

تمكّنَ تنظيم داعش قبل أيام من اختطاف مئات المدنيين من مخيم هجين ونقلهم إلى مناطق سيطرته على ضفاف الفرات الشمالية شرق دير الزور، وذلك بعد هجوم نفذه عناصره في الحادي عشر من الشهر الجاري انطلاقاً من مواقعهم في بلدتي هجين والشعفة باتجاه مواقع قوات سوريا الديموقراطية على أطراف هجين والبحرة، مستغلين العاصفة الغبارية التي هبّت على المنطقة وأدّت إلى غياب فاعلية طيران التحالف.

تسلّلَ عناصر التنظيم في هجومهم عبر محورين، الأول شمالاً عبر بادية هجين، والثاني من داخل أحياء هجين باتجاه أطراف قرية البحرة غرباً، وتمكنوا أثناء هجومهم على المحور الأول من اقتحام مخيم هجين للاجئين، وهو مخيم تم إنشاؤه قبل أشهر قليلة في بادية هجين من قبل التحالف الدولي وقوات سوريا الديمقراطية لاستقبال الهاربين من القتال في مناطق سيطرة التنظيم. وتشرف الإدارة الذاتية على المخيم الذي كانت تقطنه مئات العائلات الهاربة من مناطق سيطرة داعش، وهو يشهد أوضاعاً إنسانية مزرية في ظل غياب الرعاية الصحية والخدمات والمنظمات الإنسانية، رغم إقرار الأمم المتحدة بوجود نازحين فيه يعانون أوضاعاً إنسانية صعبة .

استطاع التنظيم السيطرة على المخيم، وأسر أربعة عناصر من قسد، وساق جميع المدنيين الذين تمكن من القبض عليهم نحو مناطقه، ويبلغ عددهم وفق تقديرات شهود عيان أكثر من 100 عائلة، معظمهم من النساء والأطفال، فيما تمكن مدنيون آخرون من الفرار من المخيم لحظة الهجوم والنجاة بأنفسهم. انسحب التنظيم بعد ساعات من سيطرته على المخيم، وبعد تحسن الأحوال الجوية حلّق طيران التحالف في المنطقة مستهدفاً مدينة هجين ومواقع التنظيم فيها بعدة غارات، فيما قام التنظيم بعرض أسرى وجثامين مقاتلي قسد في شوارع مدينتي هجين والشعفة.

على المحور الثاني استطاع التنظيم أيضاً السيطرة على عدة مقرات لقسد في أطراف قرية البحرة، ويمكّن من الاستيلاء على عربة مدرعة وعدد من الآليات وكمية من الأسلحة بعد انسحاب مقاتلي قسد جراء عنف هجوم التنظيم، الذي انسحب لاحقاً بعد قيام طيران التحالف باستهداف مواقعه، لتستمر الاشتباكات حتى اللحظة بين كرّ وفرّ على حدود مدينة هجين، إذ تسيطر قسد على بعض النقاط نهاراً، ليستعيدها التنظيم ليلاً، مستغلاً الأوضاع الجوية السيئة التي تعصف بالمنطقة.

على الجبهة الشرقية لمناطق سيطرة التنظيم، جبهة الباغوز – السوسة، استعاد التنظيم جميع النقاط التي تقدمت إليها قسد مؤخراً في ناحية السوسة وأطراف قرى موزان والمراشدة، ليبقى الخط الفاصل للاشتباك حالياً هو قرية موزان. وتؤدي قدرة التنظيم على استغلال الأحوال الجوية والتخطيط والحشد لتنفيذ هجمات خاطفة مفاجئة، إلى ارتفاع كبير في الخسائر البشرية والمادية في صفوف قسد، بما في ذلك الأسرى.

قام التنظيم بنقل المدنيين الذي اختطفهم من مخيم هجين إلى مدينة الشعفة، وتفيد المعلومات الشحيحة القادمة من مناطق سيطرة التنظيم أنه أطلق سراح بعضهم، فيما لا يزال يحتجز بعضهم الآخر، دون القدرة على تحديد الأعداد. وثمة تخوّفٌ من احتمال قيام التنظيم بإجراءات عقابية أو انتقامية ضد بعضهم، باعتبارهم قد تركوا الأراضي التي يسيطر عليها متجهين إلى أراضي أعدائه.

تفتح هذه الحادثة أسئلة كثيرة حول تعقيد الأوضاع في المنطقة، وحول الأسباب التي دفعت قسد إلى إنشاء مخيم قريب إلى هذه الدرجة من خطوط الاشتباك، وفي بادية يصعب الدفاع عنها، بحيث تكون حمايته وتقديم الدعم للاجئين فيه أموراً بالغة الصعوبة. وتتحدث أنباء عن أن قسد ومجلس دير الزور المدني التابع لها، يخططون لنقل مخيم هجين بعد الهجوم الأخير إلى منطقة بين حقلي التنك والعمر النفطيين غرباً.

يؤدي طول أمد المعارك إلى تدهور متسارع في الأوضاع الإنسانية شرق دير الزور، وقد قال مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية يوم أمس، إن العنف المستمر هناك له «تأثير مدمرٌ على المدنيين»، سواء بالنسبة لأولئك الذين لا يزالون في مناطق سيطرة التنظيم، أو أولئك الذين نزحوا إلى مناطق ومراكز إيواء قريبة. كذلك تؤدي مجريات المعارك المعقدة إلى زيادة التوتر بين المكونين العربي والكردي في قوات سوريا الديمقراطية، وخاصة بعد أن تناقل ناشطون صور وأسماء ضحايا وأسرى مقاتلي قسد خلال هجمات داعش الأخيرة، التي بينت أن معظمهم من المكون العربي، حتى أن بين الأسرى طفلاً من بلدة الشحيل بريف دير الزور، هو علي الحسين الحميد الفرحان، الذي لا يتجاوز عمره 16 عاماً.

تستمر المعارك المستعصية منذ أشهر في ريف دير الزور الشرقي، في ظل عدم وجود استراتيجية واضحة لدى قوات سوريا الديمقراطية والتحالف الدولي، سواء فيما يتعلق بالمعركة نفسها أو بإدارة المنطقة، فيما يستميت عناصر التنظيم في الدفاع عن معاقلهم الأخيرة، وينجحون في أخذ زمام المبادرة أحياناً.