هذا عهد الأرانب: بحثاً عن أهل الكهف

 

كيف نكتب سير المُدن الكبيرة والصاخبة والضاجّة. كيف نكتب سير الإسفلت والبنايات العالية والطوابير الطويلة. سير تحتفي بزامور السيّارات وبالركض وراء العدم وبالوجوه العابسة. لا أعرف غير سيرة قريتي البعيدة. مقبرة تُطلّ على الحدود الجزائريّة، دجاجات كثيرات وديكة كثيرون، مُستنقعات، أبقار ترعى، أسقف من الزنك، جدّات يُحنّين بطون طيور الخطّاف مع قدوم فصل الرّبيع، أشجار لوز ومشمش وتين، جبال مُخصّصة للنّيك، حقول القمح والزيتون، دارٌ للثقافة وأخرى للشباب، مكتبة عموميّة، ومدرسة بناها المحتلّ الفرنسيّ، هذا كلّ ما نملكه كي نكتب سيرتنا التي لن يسمع عنها أحد ولن يهتمّ بها أحد. جئتُ إلى العاصمة بقلب أحمر. مطرقة ومنجل و«إنّها لثورة حتّى النصر». بعض أغاني الشيخ إمام والحمائم البيض و«جامعة شعبيّة، تعليم ديمقراطي، ثقافة وطنيّة»1. كانت أوّل صدمة مع الحضارة ذلك المترو الأخضر. اختراع عجيب أنظر إليه بدهشة وانبهار. جُدران المدينة مغطّاة بصور الرئيس الدكتاتور. يُطلّ برأسه من كلّ مكان ويُحاصرك بضحكته البلهاء. من بين الأسئلة الوجوديّة التي كنّا نطرحها بجديّة وعمق: هل يذهب الرّئيس إلى المرحاض؟ هل يبول ويتبرّز مثلنا؟ دكتاتورنا شابّ على الدوام، يصبغ شعره ويرتدي بدلات أنيقة مع ربطة عنق بنفسجيّة ويمشي مثل الطاووس. أعتقد أن شعره الناعم كالحرير كان أهمّ شيء في حياته. أهمّ من عائلته ومن شعبه ومن السلطة ومن السياسة ومن الله. لا شيء في العاصمة الشاحبة يستحقّ الذكر سوى أحلام الرفيقات والرفاق وأمنيات الليالي الطويلة.

سقطت الدكتاتوريّة. سيرة أخرى للمدينة صارت مُمكنة. تحوّلت الشعارات الغاضبة المُنغّمة إلى أهازيج هادئة ونالت الوجوه العابسة فرصتها الأولى في الضحك. كنّا نُقهقه ونقفز في الشوارع التي صارت ملكنا وحدنا. لم يعد الحزن يمشي متثاقلا فوق رؤوسنا وبدأت أرواحنا المُخرّبة تتحسّس طريقها نحو التعافي. نحن أرباب السماوات والأرض وسنغيّر العالم ونلوّنه بألواننا. لقد كان نصراً عزيزاً. خرجتُ يوم 18 جوان (يونيو) 2011 من المبيت الجامعيّ كي ألتقي بصديق وسط العاصمة. ركبت المترو الأخضر الذي لم أعد أنظر إليه بدهشة وانبهار وعند مروره بمحطة باب سعدون تفاجأت برسومات غرافيتي واقتباسات على جدار يُعدّ أهمّ مبولة شعبيّة وديمقراطيّة للسكارى والمشرّدين والمسافرين. كان المشهد صاعقا. محمّد شكري: «أكتب من أجل أن أُمنع»، جيل دولوز: «أن تخلق هو أن تقاوم»، أنطونيو نيغري: «لا تزال السلطة بمكان ما يُمكن كسرها»، إدوارد سعيد: «على المثقّفين أن يكونوا شهودا على سوء استخدام التاريخ». النمل يُسيّج الجدار الضخم والطلاء الأحمر مُنساب فوق رؤوس المفكّرين. التوقيع «أهل الكهف». شعرت لأوّل مرّة في حياتي بأنني بدأت أتصالح مع جدران المدينة التي سلخت جلدي وطالما كرهتها. 

فتحت حركة «أهل الكهف» أعيننا على جماليّات جديدة. لقد غيّرت وجه العاصمة كليّاً وجعلت من الغرافيتي مُعجمنا البصريّ للتمرّد والعصيان. سطت بأحقيّة على البيانات السياسيّة الجوفاء التي غزت وسائل الإعلام قبل وبعد انتخابات المجلس الوطنيّ التأسيسيّ في 23 أكتوبر 2011، وحوّلتها إلى أداة فنيّة تحتفي بالغضب وتُمجّده. فكان مانيفستو 27 ديسمبر 2011 إعلاناً رسميّاً عن تشكّل حركة فنيّة سياقيّة تخريبيّة «ترسم بالسائل المنويّ وبالدّم وبعجين التّراب». يُعرّف أعضاء الحركة أنفسهم بأنّهم «مجموعة من الشبكات الإرهابيّة التي تُمارس وتنشر الإرهاب الإستيطيقيّ»، مؤكّدين على أنّ «أي تشابه بين ما تقوم به أهل الكهف والفنّ هو من نسج خيال المشاهد ولا تتحمّل الحركة أيّ مسؤوليّة في ذلك». لا تؤمن حركة «أهل الكهف» بالرومنطيقيّات المتأخّرة التي تعتبر الأثر الفنيّ الأوّل هو الأرقى والأخلص، وهي بذلك تُشرّع لانقلاب الفنّ على أصله ومفهومه حتّى لا يتحوّل في جوهره إلى مقبرة جماعيّة للأفكار الجامحة. هدم الإستيطيقا التي «تلعب دور خطيب الجنازة»2 هو هدفها، فكانت البداية بتحرير الشوارع، ولعلّ كواليس تشكّل الحركة قد تُعيننا على فهم هذه النقطة أكثر. ثلاثة طلبة بالمعهد العالي للفنون الجميلة وهم إلياس الماجري ومحمّد علي لطيّف وزياد الحضري قرّروا مُساندة الحراك الثوريّ بسيدي بوزيد بعد أن أضرم محمّد البوعزيزيّ النار في جسده يوم 17 ديسمبر 2010، فأسّسوا مع مجموعة من الناشطين والناشطات بالاتّحاد العام لطلبة تونس بمعهد الفنون الجميلة وبدار المعلّمين العليا مجلّة تتابع يوميّات الحراك. تطوّر مشروع المجلّة تدريجيّا وتمخّضت عنه فكرة إنشاء مجموعة فنيّة أنونيموس تدفع نحو فنّ سياقيّ هدفه استرجاع الفضاء العامّ، فجاء اقتراح إلياس الماجري «أهل الكهف». انضمّ إلى النواة التأسيسيّة كلّ من منال مهدواني، عماد عوّادي، عمر كرّاي، نضال شامخ، نزار صالحي، أسامة قايدي، وسيم لطيّف وعمر بن ابراهيم. يعتبر محمّد علي لطيّف أحد مؤسّسي «أهل الكهف» في دردشة لنا على واتساب، أنّ إشكاليّة الفضاء العام دفعتهم إلى إعادة تعريف وترتيب الفنّ خارج سياقات السوق والمتاحف والفضاءات المغلقة. «ما كان يهمّنا آنذاك هو العلاقة الدياليكتيكيّة بين الاندفاع والفنّ، أي بين الأدائية La performativité والاحتجاج»، يواصل كلامه: «حرق البوعزيزي لجسده هو أوّل عمل فنيّ جديّ منذ زمن بعيد، هو عمل إنشائيّ أي بيرفورماتيف فقد تحدّى كلّ حدود القداسة والموت الرمزيّ». وبهذا تنتصر الحركة لأجساد المجانين والشجعان والمهمّشين في سوق الحضارة والسياسة والفنّ. تنتصر لفدوى سليمان التي نسيتها شوارع حمص، لمهذّب السبوعي الذي تنكّر له الزمن، لشهداء الثورة ولأطفال الأحياء الشعبيّة.  

يبدو التأثّر بالدادائيّة واضحا عند الاستنجاد بمَبولة مارسيل دوشامب لتفسير انتقال الأشياء من مقامها الاعتياديّ إلى مقام العرض وتحوّلها إلى أعمال فنيّة في سياقات معيّنة، وذلك في بيان صادر في 18 نوفمبر 2011 تحت عنوان «ممنوع المجاوزة: بيان أهل الكهف في الردّ على شرطة المرور الفنيّة»، إثر منع الحركة من عرض عملها «إخراج» (تنصيب فيديو) في المركز الثقافيّ ابن رشيق ضمن قسم «شاشات الآتي» المندرج في إطار أيّام قرطاج السينمائيّة بحجّة أنّ العمل «متجاوز للحدود». كان القرار صادماً بالنسبة لي، خاصّة وأنّني منذ فترة قصيرة اكتشفت حركة «أهل الكهف» من خلال جداريّة باب سعدون وبدأت بمُتابعة أعمالها وأنشطتها. قُمنا بثورة ضدّ الدكتاتوريّة والظلم، قُمنا بثورة لاجتثاث الأنساق المتكلّسة وطمس كلّ محاولات تقنين الذكاء وصقل الفنّ باسم الجمال والنقاء والأخلاق. اعتقدنا بأنّنا «ودّعنا سجناً لنستقبل وطناً»3 ولكنّ القوى البرجوازيّة المُحافظة بدأت تستفيق في تلك الفترة تدريجيّا لتستكمل مشروعها في مأسَسة الفنّ وضبطه. أواصل دردشتي مع محمّد علي عن الخيبات الأولى، يكتب بتدفّق: «اصطدمنا بلاهوت السياسة من اليسار واليمين وحاولنا المحافظة على مسافة نقديّة من فكرة الحزب الثوريّ وفن الثورة الإستهلاكيّ/الإيديولوجيّ. أهل الكهف هي مخبر بصريّ وجماليّ مستقلّ يُعيد خلق علاقة جماليّة مع الجمهور في الفضاء العامّ ويُفكّر ويُسائل الفروقات بين فنّ الثورة والفنّ الثوريّ أي التفريق الأصيل بين فنّ يتفاعل ويتدافع مع حراك ثوريّ وبين خطاب فنّ الثورة الذي يستثمر فقط الأحداث ويُعلّق عليها في سياقات الترجمة السيّئة لمعنى الثورة». أعتقد أنّ هذا ما كنتُ أفكّر فيه وأقوله تقريبا، فبعد أشهر من الثورة دخل فنّانون وفنّانات للمشاركة في سيرك من نوع جديد، سيرك تحت رعاية الوزارات والمؤسّسات الثقافيّة، مُسيّج بالشعارات الثوريّة ولكنّه لا يتماهى مع الحراك الحاصل. المهمّ في كلّ هذا أنّ قرار المنع لم يُحبط أعضاء «أهل الكهف» وواصلوا اجتياحهم للفضاء العامّ فسالت ألوانهم وأفكارهم المضادّة للعقلانيّة والإستيطيقا المُهيمنة على جدران أغلب المدن التونسيّة مثل سيدي بوزيد وتالة والكاف وجبنيانة والقيروان. كان فتحا مُبينا لمدن معزولة قصيّة. 

وأنا أحاول استرجاع تفاصيل قرار المنع، تذكّرت الفنّان سمعان خوّام الذي مثل أمام القضاء اللبنانيّ في شهر أفريل (أبريل) من سنة 2012 بتهمة «مُخالفة الأنظمة» لأنّه رسم لوحة جداريّة تصوّر جنديّا. كتبت مقالاً في جريدة الأولى، وهي أوّل جريدة تونسيّة أسبوعيّة تصدر بعد الثورة، عن هذه الحادثة. يا ربّ السماوات ذاكرتي المشوّشة تخونني للمرأة الألف. فتحت صندوقاً أجمع فيه كلّ مقالاتي بجريدة الأولى على أمل أن أجد المقال الذي كتبته دون جدوى. تذكّرت في غمرة الاضطراب والارتباك بأنّني راسلت سمعان وقتها على فايسبوك كي أطرح عليه بعض الأسئلة قبل كتابة المقال، رحت أفتّش في رسائلنا، أوّل رسالة كانت بتاريخ 16 أفريل 2012، كتبت له فيها بعد أن قدمّت نفسي كصاحفيّة ومهّدت له الموضوع: «أنا مهتمّة بفنّ الشارع وقد كتبت في السابق عن مجموعة أهل الكهف». لا أعرف ما الذي يحصل مع ذاكرتي اللّعينة ولماذا نسيت تماماً أنّني كتبت مقالاً عن «أهل الكهف» منذ تسع سنوات. عُدت إلى نفس الصندوق وبحثت بشق الأنفس عن المقال ولم أجده. يبدو أنّ مؤامرة ماسونيّة صهيونيّة تُحاك ضدّي، أحتفظ بأكثر من 100 مقال ولديّ أكثر من نسخة للعديد منها ولا أجد مقالين اثنين يتيمين قد يُساعداني على استرجاع جزء من تاريخي الشخصيّ. يجب أن أهدأ. على الأقلّ مازلت أذكر النكات السمجة التي كنت أطلقها مع مجموعة من الأصدقاء الافتراضيّين على الفنّان الهولنديّ داريس فيرهوفن الذي قدّم سنة 2015 عملا فنيّا بعنوان Ceci n'est pas (هذا ليس..) في وسط مدينة مونتريال. كنّا نقول مازحين: Ceci n'est pas de l'art, c'est un caca («هذا ليس فنّا، هذا خراء»، وطبعاً الخراء هنا ليس بمعناه الفنيّ التوليديّ وإنّما بمعناه الحرفيّ الاعتياديّ). يدّعي فيرهوفن بأنّ عمله تخريبيّ ولكنّه مدعوم من مؤسّسات ماليّة وسياحيّة وحكوميّة وإعلاميّة كبرى في إطار مهرجان ترانس أميركا للرقص والمسرح. يُعيد هذا العمل إنتاج الكليشيهات التي تُرضي التوجّه العام للإدارة الثقافيّة، حيث عرض في صندوق زجاجيّ وعلى امتداد عشرة أيّام ممثّلين وممثّلات في وضعيّات مختلفة لصدم الجمهور بتابوهات مُستهلكة عن البيدوفيليا وسفاح القربى والعبوديّة والأمّهات العزباوات4. يعتقد أنّه بمثل هذه الحيل الباهتة يُمكن أن يصدم الجمهور بسهولة ويرجّه، وهذا تحديدا ما ترفضه حركة «أهل الكهف» التي لا تستخفّ بالجمهور وتعتبره كياناً جامداً. لا يُمكن للفنّان إذن أن يُجنّد لخدمة المؤسّسات الثقافيّة ويتحوّل إلى مُهرّج صغير في سيرك فنون الثورة ويتجاهل ضرورة التفاعل والتدافع مع الجمهور الذي هو جزء من العمليّة الإبداعيّة. 

ركّزت حركة «أهل الكهف» سنة 2013 على فكرة الاستشراق من خلال مشروع «تأويليّة المنفى» الذي خرّبت به جدران العاصمة تونس ثمّ جدران العاصمة برلين باعتماد تقنية الكولاج. استمارة طلب فيزا شنغن ألصقوا فوقها كلمة المنفى وغلاف لكتاب جيب عنوانه: «الإنجليزيّة في 90 درساً و90 يوماً» وصورة لفتاة برأس طماطم وتحتها اقتباس «ولكنّني أنتمي لسؤال الضحيّة» من قصيدة «طباق» التي كتبها محمود درويش عن إدوارد سعيد. صور فوتوغرافيّة لمستشرقين مقطوعة الرّأس تفتح أسئلة كثيرة عن وجوهنا وأجسادنا التي صارت مشكلاً، وعديد اللوحات الجداريّة الأخرى. في وصفهم لمشروع «تأويليّة المنفى» يكتب «أهل الكهف» قائلين: «نحذفُ الوجه ونُعوضه بصورة أيّ شيء: كتل لحم، أعضاء تناسلية، مواد عضوية، مواد إستهلاكية، مواد استعمالات يومية، قطعاً من الشارع… نزيل الوجه بحثا عما يجعلُ الجسم عاريا من الهوية. نبحث عن كونيةٍ بديلةٍ عن تلك التي ظلت حتى الآنَ خاضعةً لفكرة المركزية الأوروبية». بعد تحرير الشوارع والجماليّات حان وقت تحرير الأجساد من سطوة المشروع الكولونياليّ الذي يتّخذها مساحة لترجمة الخطاب الغربيّ المتعالي. خطاب يعمل على قولبة الأجساد وجعلها انضباطيّة، تابعة وخاضعة. واصلت الحركة مشروعها في إعادة ترتيب السياقات داخل خطاب فنيّ محليّ مُناهض للخطاب الاستشراقيّ، ولكنّها بدأت في الانحسار تدريجيّا بسبب تغيّر الأوضاع السياسيّة وإفرازات الانتخابات التشريعيّة والرئاسيّة لسنة 2014 وتحوّل الصراع من الشارع إلى البرلمان. مثّلت نتائج الانتخابات خيبة كُبرى للرفاق والرفيقات، خاصّة أنّها جاءت بعد اغتيال المناضلين اليساريّين شكري بلعيد ومحمّد البراهمي. فوّتنا فرصة إسقاط حكومة الترويكا إثر اغتيال شكري بلعيد في 6 فيفري (فبراير) 2013 ولن نفوّت الفرصة مرّة أخرى، فبعد جنازة محمّد البراهمي مباشرة  في 26 جويلية (يوليو) 2013 توجّهت الحشود الغاضبة إلى ساحة باردو أمام مقرّ المجلس الوطنيّ التأسيسيّ وكان «اعتصام الرّحيل». سقطت حكومة النهضة وتشكّلت حكومة تكنوقراط بمعيّة الرباعي الراعي للحوار الوطنيّ والذي ضمّ كلّ من الاتّحاد العامّ التونسيّ للشّغل والرابطة التونسيّة للدفاع عن حقوق الإنسان والهيئة الوطنيّة للمحامين والاتّحاد التونسيّ للصناعة والتجارة والصناعات التقليديّة. ظهر في تلك الفترة حزب «نداء تونس» بقيادة الباجي قائد السبسي كلاعب أساسيّ في الساحة السياسيّة استفاد من تشتّت القوى اليساريّة المُستنزفة ومن تراجع شعبيّة حركة النهضة وفاز في الانتخابات التشريعيّة والرئاسيّة وتحالف بعدها مع الإسلاميّين. حقّق الائتلاف اليساريّ «الجبهة الشعبيّة» انتصاراً نسبيّاً في انتخابات 2014 بفوزه بـ16 مقعداً في البرلمان ولكنّ هذه النتيجة مُحبطة ولم تكن كافية لعدم استثمار قادته لغليان الشارع ضدّ سياسات حكومة الترويكا واتهام حركة النهضة بالضلوع في اغتيال المناضلين بلعيد والبراهمي. كانت الشوارع مندفعة، متهوّرة، ثائرة، غاضبة، مقدامة وصارت مُنكسرة وباهتة. تأثّرت «أهل الكهف» بهذه الأجواء الخانقة وبدأت تفقد بوصلتها تدريجيّاً. يكتب لي محمّد علي عن تراجع نشاط الحركة: «تحوّل المشهد تدريجيّاً من حركة أفقية احتجاجية في الشارع إلى سوق انتخابوية/ شرعية داخل سياق الانتقال الديمقراطي السياسي. كنت مقتنعاً آنذاك أن تجربة أهل الكهف قاربت على الانتهاء ويرجع ذلك لعدة أسباب أهمها حسب رأيي انحسار الحركة في الشارع وانتقال الصراع إلى البرلمان. إلى جانب أنّ أهل الكهف نفسها بدأت تفقد نوعا من الإيقاع/الريتم وكان ذلك حسب رأيي حاسماً في تراجع دورها وانتفائه تدريجيّاً».

عادت المدينة إلى شحوبها وعبوسها بعد اختفاء «أهل الكهف»، ورغم ظهور العديد من المجموعات والحركات الأخرى التي استلهمت منها مثل «زواولة» و«مولوتوف» و«فنّي رغماً عنّي» إلاّ أنّ الشفاء من مرض الحنين كان مستحيلاً بالنسبة لي. تعدنا الثورة بالحلم والمغامرة والجنون ولكنّنا سرعان ما نصطدم بالخيبات والإحباطات. فقدتُ حماستي الثوريّة وتخلّيتُ عن كلّ المشاريع التي كنت أفكّر فيها: صحيفة هزليّة ساخرة، حركة فنيّة نسويّة تخريبيّة، بار صغير حميميّ للوحيدين والوحيدات مثلي، مكتبة شعبيّة مُتنقّلة تجوب كامل أنحاء البلاد إلخ. المساحات والدوائر التي نتحرّك فيها صارت ضيّقة ولم تعد آمنة. الجميع هنا ذابل ومُحبط ومنغلق على نفسه ويُفكّر في النجاة الشخصيّة ما عدا امرأة واحدة لا أعرف فصلها ولا أصلها مازالت نابضة بالحياة. عجوز نحيلة تحمل في يدها دائماً كيساً بلاستيكيّاً ومشطاً طويلاً خصّصته لتمزيق كلّ المعلّقات الإشهاريّة على طول الطريق الممتدّة بين مدينتي «الدندان» و«باردو» بالعاصمة. مازالت إلى اليوم تُمزّق المعلّقات بنفس الغلّ والعزيمة مثل أوّل مرّة رأيتها في ربيع 2012. لم أتجرّأ يوما على تصويرها. غابت لأشهر طويلة وظننت أنّها تُوفّيت، لكنّني رأيتها يوم 2 نوفمبر 2019 بمحطّة «الدندان» تحمل كيسها البلاستيكيّ الأسود وتُمزّق المعلّقات بيدها. كنتُ أنتظر المترو الأخضر كي أذهب إلى سجن النساء بمنوبة لحضور عرض فيلم فتريّة لوليد الطايع في إطار أيّام قرطاج السينمائيّة التي بدأت منذ سنوات تنفتح على المؤسّسات العقابيّة وتُبرمج أفلاما للسجينات والسُجناء. لا أعرف كيف امتدّت يداي إلى جيبي وأخرجت هاتفي المحمول وصوّرتها، ربّما خوفاً من أن أفقدها مرّة أخرى أو خوفاً من النسيان. هذه العجوز هي آخر المُحاربات/المُحاربين التخريبيّين في عهد الأرانب، تُخرّب بصمت بعيداً عن الأضواء والجميع ينظر إليها باستغراب ويعتبرها مختلّة. تخرج من كهفها لتُحارب المُنمّطين والجبناء وكلّما رأيتُ معلّقة إشهاريّة ممزّقة تذكّرت مانيفستو «أهل الكهف»: «نتبنّى أيّ عمليّة تقطيع للمعلّقات الإشهارية أو تهشيم اللافتات التسويقيّة وكل ما يتعلَّق بالذوق السليم والأخلاق الإستهلاكيّة الحميدة». ربّما انتهت حركة «أهل الكهف» وسافر إلياس وزياد ومحمّد إلى منفاهم وتفرّقت بهم السبل لكنّها تظلّ «وباء ينتشر بالعدوى» وفي كلّ فصل سيخرج من الكهف تخريبيّ جديد لتشويه العاصمة التي خذلتني مرّات عديدة ومازلت أكرهها. 

هذا عهد الأرانب: بحثاً عن أهل الكهف. ريم بن رجب

  • 1. أحد أهمّ شعارات الحركة الطلاّبية اليساريّة في تونس.
  • 2. العبارة لتيودور أدورنو وردت في كتاب نظريّة إستيطيقيّة، ترجمة ناجي العونلّي، منشورات دار الجمل.
  • 3. العبارة لإلياس الماجري من إحدى قصائده التي ألقاها في فيلم المخرج التونسي رضا التليلي «ثورة غير درج»، وهو فيلم وثائقي عن حركة «أهل الكهف».
  • 4. يُمكن مُراجعة كتاب نظام التفاهة لآلان دونو، ترجمة مشاعل عبد العزيز الهاجري، والذي حلّل فيه بإسهاب عمل داريس فيرهوفن «هذا ليس..».