هذا ليس مطاراً، هذا مخيم

 

يبحث المخرج اليوناني يورغوس زويس (1982)، في التغيرات التي تشهدها أوروبا مؤخراً، كاشفاً عن الآثار الماديّة للخطاب الأوروبي السياسي المرتبط بالمهاجرين، الذين تحاول القارة العجوز تحويلهم من «غرباء» على أطراف الحدود، إلى موضوعات قانونية خاضعة للسيادة الوطنيّة، وذلك عبر الإضاءة على مساحات التماس أو العبور، التي يكون فيها المهاجرون بدون تعريف سياسي واضح. وكان زويس قد عمل خلال السنتين الماضيتين على تقصي الصدام بين «الأبيض المواطن» و«الآخر المهاجر»، خصوصاً في اليونان، التي تحولت إلى جسر للعبور نحو الحلم الأوروبيّ، وبوابة لأفواج المهاجرين المتجهين شمالاً، هرباً من جغرافيات التوحش في الشرق.

قدّمَ زويس العام الماضي فيلمه الوثائقيّ «القارة الثامنة»، الذي يصور جبلاً من سترات النجاة التي تركها الهاربون وراءهم في جزيرة ليزبوس اليونانيّة، إذ نشاهد فيه أطناناً من هذه السترات البرتقالية المتروكة لتكون شواهدَ على من عبروا البحر. أما هذا العام، فقد قدّم زويس فيلم «النوع الثالث – 30د»، الذي عُرِضَ في أسبوع النقاد ضمن مهرجان كان السينمائيّ، وفيه يتناول مساحة أخرى من اللاحسم والحضور المؤقت للـ«غرباء»، متبنياً الخيال العلميّ لكشف فساد سياسات الاستثناء الأوروبيّة، التي تترك اللاجئين/الهاربين على «الأطراف»، مُهدَّدين دوماً بالطرد، يراوحون على شفير الحياة.

تدور أحداث الفيلم في مطار مهجور في أثينا، وما نعلمه، أن المطار كان مخيماً لـ1680 لاجئاً، تم إخلائهم في الثاني من حزيران العام الماضي، لكن الفيلم يفترض أن إشارة تُرسل من هذا المخيم إلى «الخارج»، ما جعل ثلاثة علماء أركيولوجيا من المستقبل، يزورون الأرض/المطار لتقصي هذه «الإشارة». ينتمي العلماء الثلاثة لحضارة «بشريّة» تركت الأرض بعد خرابها، واستقرت في مستعمرات في الفضاء بعد غياب أي أثر للحياة على الأرض، وتحوّلِها إلى يباب لا يحوي إلا مخلفات خراب الشرط البشريّ، وذكريات من شهدوا هذا «الفناء».

كان يورغوس زويس وفريقه الوحيدين الذين تمكنوا من زيارة المطار/المخيم بعد إخلاءه العام الماضي، وجاءت صيغة الخيال العلميّ حسب وصفه بسبب هول ما شهده، فالمكان أشبه بأنقاض حضارة مهجورة، ضمن عالم ما بعد كارثيّ، تلاشى البشر منه. هذه المقاربة تُحيلنا إلى التشابه بين فضائَيّ المطار والمخيم، بوصفهما أماكن التواجد المؤقت، وحدود السيادة السياسيّة، وخصوصاً أن مساحات الانتظار في المطار، هي مساحات استثناء تخلقها المنظومة السياسيّة، لعزل ومنع أولئك الموجودين فيها، وتحويلهم إلى موضوعات مؤقتة لا تخضع كلياً للقانون، إلا بعد أن يتم «تقنين وضعها». العلماء الثلاثة إذن يزورون مساحة استثناء، حيث العنف مُصنَّع منهجياً لحفظ الدولة، وتهديد حياة الغرباء.

يمتدُّ هذا الفضاء وسياساته على طول المطار، بوصف من كانوا فيه «طالبي لجوء»، وموضوعات مشمولة عبر استثنائها من شروط «المواطنة»، وهذا الاستثناء ليس رمزياً/قانونياً فقط، بل هو ماديٌّ أيضاً عبر التعامل مع الأفراد ككتل لحم تلوثّ طهرانية الجسد الوطني المزعومة، ولا بدّ من فضاءات لاحتواء هؤلاء الأفراد، فـ«الخراب-waste» الذي نراه، نتيجةٌ لفساد مفهوم الدولة وسياستها الوحشية للحفاظ على حياة مواطنيها، عبر خلق شروط شبه مستحيلة لحياة أولئك «الآخرين».

الصيغة الأركيولوجيّة في الفيلم تُحاكي الدهشة التي تحضر حين اكتشاف أثر نادر يعود إلى ماضٍ سحيق، كانت فيه حقوق الفرد فيه مهدورة، في إحالة إلى لا إنسانية شروط الحياة في المخيم، وكأنها تنتمي إلى زمن ما زال فيه الفرد أو الجماعة البشريّة عاجزين أمام «العنف الخارجيّ»، أو فضاء ما زالت السيادة فيه قادرة على توليد «الحياة الصرفة-Bare Life»، بوصفها وضعية تنطبق على أولئك «الممنوعين-Banned»، إذ لا قيمة لحياتهم، و«لا يمكن التضحية بها، لكن بالاستطاعة قتلهم يشتى الطرق»1 حسب المفهوم القانونيّ الروماني، لكن هذه الوضعيّة ما زالت حاضرة حتى الآن، فإلى جانب المستعمرات ومساحات الانتظار في المطار، يُعدّ فضاء المخيم مثالاً على الممارسات السياديّة النصيّة والماديّة لإنتاج الحياة الصرفة في العصور الحديثة حسب الإيطالي جورجيو أغمبين.

ضمن هذه الشروط، يتطابق العلماء المُتخيلون مع فريق التصوير، كلاهما يبحثان عن آثار النشاط البشريّ، لكنهم في الوقت ذاته معزولون تماماً، محميون من خراب المكان، ويرتدون البذلات العازلة ومعدات التنفس، ويتبنون وضعية المراقب الذي لا يتدخل أبداً، مراقبٌ مثاليٌ ذو هدف علميّ فقط، وهو البحث في مساحات الخراب السياسيّ عن دلائل الحياة في «العالم القديم ذي القارات السبع».

يُحيلنا الفيلم إلى مفهوم «الأثر»، وسياسات النفي المتعلقة به، سواء السياديّة السابقة، أو الثقافيّة، عبر دلالة الأركيلوجيا بوصفها بحثاً في الأثر الماضي، فدهشة علماء المستقبل، تعكس سوداويّة الآن وهنا، لأن الأوان قد فات، والخراب مكتمل التكوين، أما أولئك الذين بقيت آثارهم، فأشبه ببراهين (علميّة) على الاستثناء السياسيّ، الذي ينتهك الموضوعة البشريّة، وينتج الاختلاف بين «البشر» على أُسس ثقافيّة.

سكّان هذه المساحات «ممنوعون-Banned» منذ لحظة وصولهم، أسرى عدوانيّة سياسية، وتم إخلاؤهم في النهاية من مساحة الحياة المؤقتة تلك، لتبقى آثارهم كأغراض «منفيّة-waste»، مثل حالة المطار ذاته، الذي يحوي لوحة إعلانية عند مدخله مكتوب عليها: «عودوا إلى منازلكم».

طبيعة «الآثار» التي يبحث فيها «العلماء»، تُحيلنا إلى ماديّة سياسات الاستثناء وقسوتها، فنحن أما فضاء «غير مُتخيّل»، أي أن المساحات التي يتم ضمنها التصوير وليدةُ ظروف سياسيّة سياديّة، لم تُصمَّم خصيصاً للفيلم، هي لا دراميّة، أي أنها لا تتغير قبل وبعد الفيلم، هي معالم ثابتة ونتاج سياسات المنع، فالخيام وألعاب الأطفال والمسجلة التي تبث «الأذان الإسلاميّ» ليست ديكوراً، بل هي آثار سياسية. هذه العدوانيّة جعلت فضاء الحمّام، المخصص عادة لإنتاج الفضلات ونفيها، يتحول إلى مساحة للتعبير، إذ يدخل واحد من العلماء إلى الحمّام –الحقيقي- المشترك، ليقرأ على الجداران كلمات عربية وأبيات شعر، وعبارة تبقى مُعلّقة: «هذا ليس مطاراً، هذا مخيم».

العبارة الأخيرة ترتبط بالإشارة التي وجدها العلماء ودفعتهم لزيارة المطار/ المخيّم، والتي تُحيلنا إلى المُتخيَّل. هذه الإشارة هي صفير أطلقه «نوري» الناجي، الذي بقي وحيداً في القسم الثاني من المخيم –الملعب الأولمبي الذي استخدم في أولمبياد 2004-، وحين يسأله العلماء عن عمره، وعن المدة التي قضاها في المخيم/الملعب، يقول إنه عالقٌ ولا يكبر بالعمر. هو لا يشيخ، وهنا يمكن رصد سياسات الحياة في المخيم، فقاطنوه خاضعون كلياً للسيادة، التي يمكن أن تُخليهم في أي لحظة، أما زمنهم فخالٍ من الـ«عمل»، هو زمن الانتظار وبذل الجهد للحفاظ على الحياة. هم بشرٌ منزوعو السياسة، ففي مساحات الانتظار نرى الفرد أسير البيروقراطيّة، لا نشاط يمارسه إلا ما هو جسدي مرتبط بنجاته، فالقاطنون منفيون من الزمن التاريخيّ والزمن الاقتصادي والسياسي، هم on Hold، ذاكرتهـ(ـم) تتلاشى حسب ما يقول نوري الناجي، الذي لم يبقَ له شيء سوى نَغمٍ موسيقي سمعه في فيلم ما، يَصفرُه مراراً.

يقول نوري إنه «يشتاق للموسيقا»، وكأن السحر-enchantment مرتبطٌ بها، بالإيقاع والحركة بوصفهما «الحياة» نفسها، ما يجعل غياب الموسيقى يعني السكون، موتاً لا متناهٍ، يتكرر يومياً، ليبقى نوري حياً على أمل سؤال: «هل ستعودون مُجدداً؟»، ليأتيه الجواب في نهاية الفيلم، فالصفير/الموسيقا/الإشارة ذاتها تكررها جدران المخيم/ الملعب، عبر التلاعب بالضوء ومكبرات الصوت الموجودة بين مقاعد المشاهدين.

يُتيح لنا الفيلم طرح الأسئلة عن سياسات التمثيل-politics of representation ، والتقنيات المستخدمة لخلق الحكايات، فالفيلم ذاته يخضع لها على عدة مستويات، بوصفه أولاً حكاية خيال علميّ تدور في مكان سياسيّ، لكن، إذا لم نقرأ عن الفيلم، لا يمكن للفرد إلا أن يراه ضمن فضاء مُتخيّل، في دلالة على القدرة على إعادة تكوين الحقيقة، عبر إعادة تمثيلها خيالياً، وهذا ما يحضر ضمن الفيلم ذاته، فالحكايات تحضر على عدة مستويات، كالرسائل التي لم تُرسَل، والتي نقرأها على بطاقات البريد، إلى جانب الفيديوهات الشخصية المرتبطة بالحياة في المخيم قبل الإخلاء، ثم النصوص على جدران الحمّام، و نهايةً عبر ذكريات نوري نفسه، التي نراها كفيديوهات/ صور ملتقطة عبر الهاتف النقال، والتي توثّقُ رحلته وما واجهه، وهنا تكمن سياسات كلمة (توثّق)، وهشاشة الوثيقة أمام المُخيّلة وتقنيات التمثيل، القادرة على إعادة إنتاج «الأحداث» و«الحقائق»، بل وحتى تغيير تجنيسها أو نوعها، كأن تتحول «أشكال الحياة الثقافيّة» من مُنتجات سياسيّة، إلى ديكور أو «أغراض» لخلق الفضاء المُتخيّل، ما ينفي عنها تاريخها السياسي، ويحولها إلى سلعة ثقافيّة، أو حكايات وادّعاءات غير جديّة.

  • 1. «unsacrificeable life that has nevertheless become capable of being killed to an unprecedented degree». Agamben, Giorgio. The Omnibus Homo Sacer. Stanford University Press, 2017.p96