هكذا أصبحتُ مدمناً على يوتيوب

 

يشبه هذا حلقات مفرغة من التعذيب النفسي والاستنزاف الذاتي للخلايا العصبية، أضعُ رأسي على وسادة استعداداً للنوم، ثم تأتي فكرةٌ من مكانٍ ما، فكرة «تافهة» تتعلق بالطريقة الأنسب لتجنب لقاء شخص ثقيل على القلب، أو فكرة «عميقة» تتعلق بالموقف من النسبوية، أو فكرة «ميدانية» تتعلق باحتمالات سيطرة النظام على منطقة ما، أو فكرة «سياسية» تتعلق بذهاب المعارضة إلى جنيف أو عدم ذهابها، أو فكرة «عاطفية» تتعلق بـ.... إلخ.

يبدأ الدوران في الحلقات المفرغة، يتحول النعاس إلى اشتعال في المخ، أتحسّسه على هيئة دوائر من الطاقة تنبعث من أسفل وخلف الرأس. يبدأ الألم، ثم يأتي الحلّ عبر يوتيوب. حلقة من مسلسل ضيعة ضايعة ستكون مهدئاً مناسباً، يتحول صوت جودة وأسعد إلى مخدّر، يتوقف التفكير، وترتسم ابتسامة تافهة على الوجه، ثم أغرق في النوم.

أول الطريق إلى الإدمان

في مراحل سابقة لعام 2012، كنتُ معروفاً بين الأصدقاء بالقدرة السحرية على الاستغراق في النوم. كان أحدهم يقول لي إن النوم عندي يشبه استخدام صنبور المياه، أفتحه أو أغلقه كما أشاء، وكان هذا صحيحاً، إذ كثيراً ما نمتُ في غرفة فيها خمسة أصدقاء يتحدثون بصخب. كنتُ أقول لهم: «حلّوا عني... بدي نام»، ثم أستلقي وأدير ظهري لهم، وأغرق في النوم خلال دقيقتين على الأكثر.

منذ 2012 تغيّرَ الأمر، أصبحت الدقيقتان نصف ساعة، ثم أحياناً ساعة، ثم ساعات. حاولتُ مكافحة الأمر في البداية بالقراءة، أو متابعة برامج وأفلام «مفيدة» إذا صحّ القول، وكان هذا ينجح نسبياً أول الأمر، لكنه بعدها أصبح يزيد الألم المنبعث من مكانٍ ما داخل الجمجمة، فكان الحلّ عبر متابعة برامج وأفلام ومسلسلات لا تحرّض على كثيرٍ من التفكير، وهي أنواعٌ من المشاهدة كنتُ أستمتعُ بها أصلاً، لكنها كانت تحتل مساحةً قليلةً من حياتي.

مع ضيعة ضايعة كانت البداية، لكن الأمر لم يتوقف عند هذا، لأنني منذ 2013 بدأتُ البحث عن أشياء أقل مدعاةً للتفكير، ثم إن تكرار حلقاته بات يبعث على الملل، رغم السحر الخاص والمستمر الذي تتمتع به شخصيات المسلسل.

مرحلة المسلسلات السورية المعاصرة

بدأتُ أتابعُ مسلسلات سوريّة اجتماعية، كان هذا مُسلّياً أول الأمر، ومجلبةً للنعاس والنوم الهادئ، لكن الدماغ الذي اعتاد التفكير بدأ يكافحُ الأمر. بدأتُ أحلّلُ المنطق السياسي والفكري الكامن خلف الطروحات، بدأتُ أحاكم الكُتّاب والمخرجين والممثلين وحتى فنيي الإضاءة ومصممي الملابس. بدأتُ أكتشفُ كيف أن رؤية النظام السوري للمجتمع والناس قابعةٌ هناك في كواليس كل مسلسل تقريباً.

ولكن كي أكون منصفاً، فإن هناك أعمالاً بالغة العمق، ونجحت في تعرية بنية السلطة في سوريا وإن بشكل غير مباشر، وكان بعضها حقيقياً إلى درجة أنني كنتُ أشعرُ أن بعض المشاهد قد عشتُها بنفسي في الواقع. لكن مهلاً، هذا في ذاته أيضاً احتقارٌ لنا جميعاً، إذ ما الذي يعنيه أن تعرضوا لنا على شاشاتكم مصائرنا التعسة التي رسمتموها لنا؟!

هل رأيتم!! حلقة تفكير لعينة جديدة ظهرت هنا حتى في هذا النص. أصبح الأمر مُحبطاً، فهذه المسلسلات باتت تسحبني إلى دوامات تعذيب ذاتي لا تنتهي، فبدأتُ التفكير بالذهاب إلى التاريخ والتراث، لأن المسلسلات التاريخية فيها حكايات مُسلّية.

مرحلة الزير سالم

كنتُ قد حضرتُ مسلسل الزير سالم وقتَ بثّه أول مرة، وكان رائعاً، فقررتُ أن مشاهدته مجدداً، والمزيج بين المتعة الخفيفة، والملل الناجم عن مشاهدة ما كنتُ قد حضرته سابقاً، سيقودني إلى نومٍ قليل الألم.

لكن ينبغي القول هنا إن الأمر تجاوز أوقات ما قبل النوم. أصبح الوضع كارثياً، لم أعد أستطيع الجلوس وحدي دون أن أفعل شيئاً، لم أعد قادراً على أي استرخاء ذاتي، يجب أن أعمل، أو أقرأ، أو أتحدث مع أحد ما، أو أشاهد شيئاً، وإلا فإن دماغي سيقودني إلى جحيم حلقات التفكير المُعذِّبة المُرهقة خلال ثوانٍ. حتى أثناء الطعام، إذا لم يكن هناك أحدٌ يأكل معي ونتبادل الحديث، فإن الأمر يغدو جحيماً. أضع طعامي أمامي، ثم أركض كالممسوس لتشغيل أي شيء على يوتيوب.

بدأتُ بالزير سالم، وكانت التجربة مفيدة، ثم انتقلت إلى الظاهر بيبرس، وأندلسيات حاتم علي الثلاث، وهكذا. ونجحتُ في التمرين التالي: تستفزُّ الأعمال التاريخية ألف فكرة وفكرة، لكني كنتُ قادراً على تجميدها، والاستمتاع بالحكاية، الحكاية التي أعرفها أصلاً، ثم الاسترخاء وإراحة الخلايا العصبية.

مرحلة باب الحارة

وصلتُ بالتدريج إلى «التاريخ» القريب، مسلسلات «العصملي» و«الفرنساوي» والبيئة الشامية.

هذه المسلسلات مليئة بالترّهات والأكاذيب إلى حدِّ أنها لا تستدعي عندي أي تفكير، وهكذا صارت حكايات مسلّية لا تحفز دماغي على العمل، رغم أن بعضها كان يُغضبني عندما أتخيلُ مقدار التأثير الذي ألحقته بعقول مئات آلاف المتابعين. لقد قَتَلَ أيمن زيدان في أحد مسلسلات «الفرنساوي» عدداً من الجنود الفرنسيين يفوق ما خسرته فرنسا في سائر حروبها الاستعمارية في المشرق، ومارَسَ ممثلون سوريون في مسلسلات البيئة الشامية من الذكورية و«المراجل» ما لا يمكن احتماله. ومع ذلك، كان بعضها مخدراً جميلاً، بل ومضحكاً.

كان المشهد الذي ألهمَ كثيراً من الذكور، عندما طلَّقَ أبو عصام في باب الحارة زوجته لأنها قالت له: «فشرت»، مشهداً كوميدياً مضحكاً بالنسبة لي. كان باب الحارة بجزئيه الأول والثاني علامة مميزة في تلك المرحلة، إذ استطعتُ عبر مزيج التفاهة والتسلية الذي يحتويه أن أحقق انتصاراً في حربي على نشاط الخلايا العصبية، استطعتُ بنجاح أن أتابع التفاهة الموجّهة دون أن أحلّلها وفق مكنة المنطق والضمير. لكن الجزء الثالث من هذا المسلسل كان من البلاهة بحيث لم أستطع متابعته.

وصلت تلك المرحلة إلى مصيرها المحتوم، لأن المسلسلات بالغة الرداءة تزعجني، والمسلسلات التاريخية المشغولة بمستويات مقبولة من الجودة قليلة، وهكذا كان عليَّ البحثُ عن بدائل.

البديل كان في مصر المحروسة، أم الدنيا.

المرحلة المصرية

في مصر وجدتُ نبعاً من الأفلام المسلّية متواضعة الأفكار والطروحات، والمليئة بـ «الإيفيهات» المصرية اللطيفة التي أحبها. كثيرٌ من هذه الأفلام كنتُ قد شاهدتُ أجزاء منها في باصات سوريا خلال أسفاري المتكررة من وإلى دمشق، لكني وقتها لم أُعِرها كثيراً من الاهتمام.

شاهدتُ عشرات الأفلام التي كنتُ كثيراً ما أغفو قبل انتصافها، أحمد حلمي وأحمد مكّي من الأبطال الأثيرين لدي، وعند مكّي على وجه الخصوص كان هناك إبداعٌ لا يمكن تجاهله، في مسلسل الكبير تحديداً، حيث يؤدي مكّي ثلاث شخصيات مختلفة تماماً ببراعة مذهلة، حتى أن المُشاهد ينسى في حالات كثيرة أن ممثلاً واحداً يؤديها.

أنا الآن في المرحلة المصرية بالغة الاتساع والثراء على صعيد التسلية والمرح، لكنها تقترب من نهايتها إذ تمتزج بمسلسل قيامة أرطغرل التركي، المشغول بحرفية عالية من حيث التمثيل والمشاهد والحوارات، والمليء بمبالغات مضحكة شبيهة بمسلسلات «الفرنساوي» و«العصملي» السوريّة. هو مسلسلٌ موجّهٌ لخدمة مقولات حزب العدالة والتنمية الحاكم في تركيا على نحوٍ لا تخطئه عين، وفيه من تجاوز التاريخ والاعتداء على المنطق ما قد يثير الغضب، لكنه بعد التمارين التي خُضتُها أثناء مرحلة باب الحارة، يغدو مجرد حكاية طويلة مثيرة ومسلّية، تشبه في تأثيرها على خلايايّ العصبية تأثيرَ البراد على ماءٍ ساخن.

بارني ستنسن، رجل المراحل كلّها

عبر معظم هذه المراحل، منذ مرحلة الزير سالم على الأقل، كان هناك حضور متكرر لمسلسل How I Met Your Mother. في تسعة مواسم، يحكي الأب لأطفاله كيف التقى بأمهم، يحكي تفاصيل سنوات من حياته مع أصدقائه في مدينة نيويورك، ومن بين أصدقائه شخصية ساحرة هي بارني ستنسن، «النسونجي» العظيم، الطريف، وبالغ الذكاء أيضاً.

المسلسل مضحكٌ بلطف وخفّة متناهيتين، ولا يتحدث عن أي قضايا يمكن أن تمسّني بشكل مباشر أو تدفعني إلى أي تفكير، تسليةٌ صافية، يحتل فيها بارني موقعاً بالغ الأهمية. بارني ستنسن هو الرجل السعيد الذي يعيش حياته كما يحب، إذ لا قيود يمكن أن تُثقل كاهله، ولعلّه يشبه الحد الأقصى الذي لا يمكن الوصول إليه من الانطلاق والانعتاق.

هناك صورةٌ لبارني قرب الطاولة التي أجلس أمامها للكتابة، أنظر إليها أحياناً وأقول في نفسي: ربما لا يمكن ولا يجوز أن تكون الحياة كما عاشها هذا الشخص، ولكنها لا يجوز بحالٍ من الأحوال أن تشبه أياً من تفاصيل حياتنا الواقعية.

أشعر بالغبطة لمجرد أن بارني وُجِدَ يوماً في خيال أحدهم.

عن جحيم الحلقات المفرغة

ليس لمشكلات حياتي الخاصة حلولٌ واضحة، وليس للكارثة التي نعيشها نهاياتٌ مُحتملة، ولا فائدة من التفكير في معظم هذه القضايا. تتزاحم في رأسي ذاكرةٌ عن بلاد مدمرة، وعن ماضٍ شخصيٍ لا أجرؤ على فتح ملفاته. تتزاحمُ في رأسي صور الشهداء والمعتقلين، وأصوات القذائف والصواريخ والرصاص، وهتافات المتظاهرين، ومشاهد الأحياء والمدن المدمرة.

هناك العمل، والقراءة ومتابعة الأحداث، ومشكلات الحياة والأوراق الرسمية، ومشكلات الأصدقاء والأهل البعيدين والحبيبة القريبة، والتفكير المستمر في ما كان وسيكون. لا بدَّ من وقتٍ للراحة حتى لا أصاب بالجنون، لكن الاسترخاء الذاتي مستحيل. أكره أن أمشي وحدي في الشارع، لأن الأفكار اللعينة تُزاحم الخطوات، وعندما أضطر للمشي وحدي، أتخيّلُ براميل تسقط في كل مكان من حولي، على الأحياء والأبنية والحدائق ومحطات الميترو والباصات. في لحظات الشرود أثناء المشي منفرداً، لا أرى حولي إلا البراميل المتساقطة على منجزات البشر.

هكذا أصبحتُ مدمناً على يوتيوب، فضلاً عن السجائر، وعلى الرغم مما قد يبدو في خياراتي التي أتابعها من تفاهة، فإنني مدينٌ لها بالمحافظة على سلامتي النفسية والعقلية النسبية، ولا أنوي استبدالها، حالياً، بأنواع أخرى من الإدمان.