هكذا ردَّ المُعلّم على مكتوب ألبير كامو

مساء الأربعاء ، الحادي والعشرين من تشرين الأول (أكتوبر) 2020، جرت في جامعة السوربون في باريس مراسم تأبين المدرِّس الفرنسي صامويل باتي، الذي كان قد قُطِعَ رأسه، بعد ظهر الجمعة السابق، قرب مدرسةٍ كان يُدرِّسُ فيها التاريخ والجغرافيا في منطقة كونفلان سانت-أونورين، في الضاحية الغربيّة لباريس. وهو ربّ عائلة يبلغ سبعةً وأربعين عاماً. قتلتْ الشرطةُ منفّذ الجريمة، وهو لاجئٌ روسيٌّ من أصلٍ شيشاني يدعى عبد الله أنزوروف، ويبلغ من العمر ثمانية عشرة عاماً.

كانت من مراسم التأبين قراءة رسالة ألبير كامو، التي كان قد أرسلها إلى مُعلّمه لويس جيرمان بعد فترةٍ وجيزةٍ من حصوله على جائزة نوبل في الأدب. وقد شارك آلافٌ من الفرنسيين، في يوم التأبين، رسالة كامو على مواقع التواصل الاجتماعي الإلكترونية، إلا أنهم لم يشاركوا رسالة الردّ من مُعلِّمه.

خلال البحث عن نصّ رسالة كامو، وقعتُ على ردّ المدرّس جيرمان، الذي يحذّر فيه من خطر إدخال الدين في البرامج الدراسية، لا سيّما في الدولة العلمانية، مؤكّداً على دور المدرس التوعوي ومحافظاً عليه. وليس هناك معلومات كثيرة متوافرة عن المدرّس لويس جيرمان، ولا سيّما أن ثلاثة أعلام فرنسيّين في القرن العشرين حملوا الاسم نفسه: أحدهم عالِم رخويّات، والآخر رسّام، ومعلّم كامو الذي كان له تأثيرٌ قويٌّ في طلّابه. وما ورد عنه في سيرة ألبير كامو هو أنّه كان مُعلِّمَ كامو الأوّل، من العام 1918 إلى العام 1923، أي عندما كان عمر كامو من خمس إلى عشر سنوات. وهو الذي أعدّ كامو لمسابقة المنح الدراسيّة للمدارس الإعداديّة والثانويّة. ثمّ قدّم إليه كامو لاحقاً الإهداء في كتابه خُطَب السويد، الذي صدرت طبعته الأولى عن دار غاليمار في العام 1958، ويضم الخطبتين اللتين كان قد ألقاهُما في السويد في كانون الأول (ديسمبر) من العام 1957 بمناسبة حصوله على جائزة نوبل.

إهداء إلى لويس جيرمان

إهداء إلى لويس جيرمان

رسالة كامو إلى مُعلِّمه رسالةٌ خاصّة تحوّلت إلى عامّة، بينما يختتم السيد جيرمان مكتوبه إلى كامو برسالةٍ عامّة، يبدو أنها تحوّلت إلى خاصّة.

وهذه ترجمتي لرسالة كامو وردِّ المُعلِّم عليها:

19 نوفمبر 1957

عزيزي السيد جيرمان،

تركتُ الضوضاء التي أحاطت بي كل هذه الأيام تخمد قليلاً قبل أن آتي لأحدّثك قليلاً من كل قلبي. لقد تلقيتُ مؤخراً شرفاً رفيعاً لم أسعَ إليه ولم أَطلُبه. لكني عندما علمتُ بالخبر، كان أول من فكرتُ فيه بعد أمي هو أنت. بدونك، بدون تلك اليد العطوفة التي مددتها إلى الطفل الصغير المسكين الذي كُنتُه، بدون تعليمك، والاقتداء بك، لما حدث شيءٌ من هذا. لا أجعل من نفسي كائناً بحجم الدنيا بهذا الشرف الذي نلتُ، لكنّه على الأقل فرصة لإخبارك بما كنتَ، وما زلتَ عليه، بالنسبة لي، ولِأؤكد لك أن كَرَمَ جهودك وعملك وقلبك الذي كنت تبذله ما يزال على قيد الحياة في أحد صغارك الطلبة، الذي، على الرغم من عمره، لم يتوقف عن كونه تلميذاً ممتناً لك.

أعانقك بكل قوتي.

ألبير كامو

 

رَدُّ المُدرِّس

30 أبريل 1959

صغيري العزيز،

(...) لا أعرف كيف أعبّر لك عن السرور الذي جَعلتني أشعر به بتصرفك الطيب، ولا عن شكري لك. لو قُيِّضَ الأمر لي، كنتُ سأضمُّ بشدة ذاك الفتى الكبير الذي صِرتَه، والذي يبقى دائماً بالنسبة لي «صغيري كامو».

(…) من هو كامو؟ لديّ انطباعٌ بأنّ أولئك الذين يحاولون النفاذ إلى شخصيّتك لا ينجحون في ذلك تماماً. لقد أظهرتَ دائماً حشمةً غريزيةً في كشف طبيعتك ومشاعرك. ذاك لأنك بسيطٌ ومباشرٌ، وطيّبٌ علاوةً على ذلك. هذه الانطباعات، أعطيتني إياها في قاعة الدروس. المعلم الذي يريد أداء وظيفته بضميرٍ حيٍّ لا يُفوِّتُ أي فرصةٍ للتعرف على طلّابه وأطفاله، وهو دائماً يقدم نفسه باستمرار. جواب، أو إشارة، أو موقف، أمورٌ تكشف الكثير. لذلك أعتقد أنني أعرف الإنسان الصغير الطيب الذي كُنتَه، وفي الطفل غالباً بذرة الإنسان الذي سيَصيرُه. كانت سعادتك بالوجود في القاعة تتفجر في كل مكان. وكان التفاؤل يبدو على وجهك. وخلال دراستك، لم أشكَّ مطلقاً في الوضع الحقيقي لعائلتك، لم يكن لدي سوى لمحة عنه عندما جاءت والدتك لرؤيتي بشأن تسجيلك في قائمة المرشحين للمنح الدراسية. كما أن ذلك كان لا يزال يحدث عندما كنتَ على وشك أن تتركني، لكن حتى ذلك الحين، كنتَ تبدو لي في وضع رفاقك نفسه. كان لديك دائماً ما تحتاجه. كنتَ ترتدي ملابس أنيقة، مثل أخيك. أعتقد أنه لا يمكنني مدح والدتك بأجمل من هذا.

رأيتُ قائمة الإصدارات المتزايدة المخصصة لك أو عنك. وإنه لمن دواعي رضائي أن شهرتك (وهي الحقيقة الحقّة) لم تُدِر رأسك. لقد بقيتََ كامو: براﭭو. تابعتُ باهتمام التغييرات المتعددة على المسرحية التي قمتَ باقتباسها وتحريرها: الممسوسون. أحبك جداً، لدرجةٍ تمنعني عن أن لا أتمنى لك النجاح الأكبر: النجاح الذي تستحقه.

وكذلك «مالرو» يريد أن يعطيك مسرحية. أعلم أنه لديك شغف بهذا. لكن...، هل ستتمكن من تنفيذ كل هذه الأنشطة في وقتٍ واحد؟ أخشى عليك أنك تُفرط في استغلال قواك. واسمَح لصديقك العتيق أن يُذكّركَ أن عندكَ زوجة لطيفة وطفلان يحتاجون إلى الزوج والـ بابا. في هذا الصدد، سأحكي لك ما قاله لنا ذات مرة مديرنا في المدرسة. كان قاسياً جداً علينا، ذاك ما منعنا أن نرى ونشعر أنه كان يحبنا حقاً: «الطبيعة تحتفظ بكتابٍ كبيرٍ تسجلُ فيه بعناية جميع التجاوزات التي يرتكبها المرء». يجب أن أعترف أن هذه النصيحة الحكيمة عصمتني [حرفياً] كثيراً عندما كنتُ على وشك نسيانها، لذا حاول أن تُبقي الصفحة المحفوظة لك في كتاب الطبيعة العظيم بيضاء.

يُذكّرني أندريه أننا رأيناك وسمعناك في برنامجٍ تلفزيونيٍّ أدبي، حول «الممسوسون». كان مؤثراً أن أراك تجيب على الأسئلة المطروحة، ولم أستطع منع نفسي من إبداء ملاحظةٍ خبيثةٍ مفادها أنك كنت واثقاً أني في النهاية سأراكَ وأسمعك. لقد عوّض ذاك عن غيابك عن مدينة الجزائر. لم نَركَ منذ فترةٍ طويلة.

قبل أن أختتم، أودّ أن أخبرك عن الوجع الذي أكابده كوني مُدرِّسَاً علمانياً، أمام المشاريع المهدِّدة المعدَّة ضد مدرستنا. طوال مسيرتي كنتُ أؤمن باحترامِ ما هو الأقدس عند الأطفال: الحق في البحث عن حقيقتهم. أحببتكم جميعاً، وأعتقد أنني فعلتُ كل ما في وسعي حتى لا أعبّر عن أفكاري، وبالتالي أثقلَ كاهل ذكائكم الشاب. عندما كان يطرح موضوع الله (في البرنامج الدراسي)، كنتً أقول إنّ هناك من يؤمنون به وهناك من لا يؤمنون به. وإنّ الجميع، في إطار حقوقهم، فعلوا ما يريدون. وبالمثل، بالنسبة لما يتعلق بالأديان، كنتُ أَقتصرً على الإشارة إلى تلك الموجودة، والتي ينتمي إليها من يرغبون بها. لأكون صادقاً، كنت أضيف أن هناك أشخاصاً لا يمارسون أي دين. أعلم أن هذا لا يعجب أولئك الذين يريدون تحويل المُعلِّمين إلى كتبةٍ متنقلين في الدين، وبصورةٍ أدق، في الدين الكاثوليكي. في المدرسة العادية في مدينة الجزائر (التي كانت موجودةً آنذاك في حديقة غالاند)، كان أبي، كما رفاقه، مضطراً للذهاب إلى القدّاس وتناول القربان كل يوم أحد. في أحد الأيام، مُرهَقَاً بهذا القيد، وضع خبز القربان المقدَّس «المُخصَّص» في كتاب قُدّاسٍ أَغلقَه. تم إبلاغ مدير المدرسة بهذا الأمر، ولم يتردد في استبعاد والدي من المدرسة. هذا ما يريده أنصار «المدرسة الحرَّة» (حرة...، بالتفكير مثلهم). مع تركيبة مجلس النوّاب الحاليّة أخشى أن الطامّة الكبرى آتية. أفادت صحيفة لو كانار أنشينيه أنه، في إحدى المقاطعات، حوالي مئة قاعة دراسية في المدرسة العلمانية تُدار تحت الصليب المُعلّق على الحائط. أرى في هذا هجوماً مقيتاً على وعي الأطفال. إلى ماذا سيقود هذا، ربما، عمّا قريب؟ هذه الأفكار تحزنني بشدة.

أعلمُ أنني، حتى عندما لا أكتب، غالباً ما أفكر بكم جميعاً.

زوجتي وأنا نُعانقكم بشدة أنتم الأربعة، مع كل الود.

لويس جيرمان