هل بدأ الصراع الروسي الإيراني في سوريا فعلاً؟

 

تستمر الاشتباكات بشكل متقطع في منطقة سهل الغاب بريف حماة، بين ميليشيات تتبع للفرقة الرابعة في جيش النظام من جهة، وقوات من الفيلق الخامس بقيادة سهيل الحسن من جهة أخرى. وكانت معارك قد بدأت الشهر الماضي بين الطرفين، في سياق الصراع على السيطرة والنفوذ في المناطق الحيوية الخاضعة لسيطرة نظام الأسد بريف حماة الشمالي الغربي.

وتقع المناطق التي تدور فيها الاشتباكات قرب خطوط التماس مع فصائل المعارضة في ريف حماة الشمالي الغربي، وقرب المعابر الحيوية بين مناطق سيطرة النظام ومناطق سيطرة الفصائل هناك، مباشرة إلى غرب وشمال غرب قلعة المضيق. وبالإضافة إلى الأهمية المتعلقة بالإشراف على المعابر وخطوط التماس تلك، فإن هذه المنقطة تتمتع بأهمية حيوية بالنسبة لروسيا، باعتبارها تشكل المدخل إلى محوري جورين وشطحة وما يحيط بهما من قرى، وهما المحوران اللذان يشكلان المدخل الرئيسي إلى منطقة قاعدة حميميم بريف اللاذقية المجاور في الساحل السوري، إذ أن الجهة التي تسيطر على تلك المنطقة، هي الجهة التي تمسك بمفاتيح استهداف القاعدة، مما يجعل روسيا مهتمة بالسيطرة عليها لضمان أمن قواتها في حميميم.

وكانت قوات تتبع للفيلق الخامس، تم استقدامها من درعا، قد سيطرت على عدة قرى في تلك المنطقة بعد اشتباكات مع ميليشيات الفرقة الرابعة منتصف الشهر الماضي، وعلى إثر ذلك قام سهيل الحسن القيادي في جيش النظام، برعاية اتفاق بين الطرفين في السابع عشر من الشهر الماضي، إلا أن الاشتباكات تجددت بعدها، لتسيطر ميلشيات الفرقة الرابعة المدعومة من إيران نهاية شهر كانون الثاني، على عدة قرى كانت قد استولت عليها قوات الفيلق الخامس المرتبطة بروسيا.

وهذه ليست المرة الأولى التي تصطدم فيها قوات موالية لإيران وأخرى موالية لروسيا خلال الأشهر الأخيرة، إذ شهدت محافظة دير الزور اشتباكات واعتقالات متبادلة بين الميليشيات الإيرانية وميليشيات الدفاع الوطني المرتبطة بموسكو، بعد أن قامت الأخيرة مدعومة من قوات تتبع جيش النظام بالسيطرة على معابر نهرية كانت تحت سلطة الميليشيات الإيرانية صيف العام الماضي.

كذلك يستمر الصراع بين الطرفين على السيطرة والنفوذ في محافظة درعا، وعلى استقطاب المجندين ومقاتلي المعارضة السابقين إلى القوات الموالية لكل طرف، في الوقت الذي تتحدث فيه مصادر محلية من درعا عن أن بعض عمليات الاغتيال والاعتقال التي طالت القادة المنخرطين في المصالحات جنوب سوريا، كانت في الواقع جزءاً من التنافس بين كل من موسكو طهران.

وقد أدت التصريحات المتبادلة بعد الضربات الإسرائيلية الأخيرة على مواقع للميليشيات الإيرانية في سوريا، إلى خروج الخلاف بين الطرفين إلى العلن، خاصة بعد الانتقادات التي وجهها رئيس لجنة الأمن القومي في البرلمان الإيراني لموسكو، معتبراً أن نظام الدفاع الجوي S300 يتم تعطيله خلال الضربات الإسرائيلية.

وبالنظر إلى الاشتباكات التي تدور اليوم في ريف حماة، والاشتباكات السابقة في ودير الزور، فإن الصراع يرتبط بشكل رئيسي بالسيطرة على نقاط تهريب ومعابر تدر مداخيل كبيرة للميليشيات في المنطقة، وهو الأمر الذي لا يشكل سابقةً في حد ذاته، إذ لطالما دار صراعات واشتباكات بين الميليشيات الداعمة لنظام الأسد في سوريا، بهدف السيطرة على نقاط التهريب والحواجز الحيوية التي تدر مداخيل كبيرة، إضافة إلى النزاع المتكرر على «تعفيش» المناطق التي كانت تسيطر عليها خلال معاركها مع فصائل المعارضة.

لكن توتر الأجواء بين موسكو وطهران بعد الضربات الإسرائيلية المتكررة، والتقارب بين بوتين ونتنياهو إثر قطيعة كان سببها إسقاط طائرة روسية خلال هجمات للطيران الإسرائيلي على مواقع للنظام في اللاذقية، يدفع تلك المواجهات اليوم لتكون جزءاً من لوحة أكبر، تترسم فيها معالم خلاف متعدد المستويات بين الطرفين.

إلا أن الحديث عن صراع مفتوح بين الطرفين اليوم في سوريا يبدو أمراً مبالغاً فيه، لأن القوات المرتبطة بموسكو لا تزال أقل عددياً بكثير من الميليشيات التي تتبع طهران في سوريا، وبالمقابل فإن طهران التي يتعرض وجودها في سوريا لضغط سياسي دولي، بالإضافة إلى الضربات الإسرائيلية المتلاحقة، ليست في موقع تستطيع معه أن تفتح صداماً إضافياً مع موسكو. كما لا يزال الطرفان يعتمدان على بعضهما بعضاً، لخلق توازن مع أنقرة وواشنطن، وسيعني تحولهما إلى طرفين متحاربين بشكل نهائي في سوريا إضعاف موقف كل منهما.

تقود المعطيات الحالية إلى نتيجة تقول إننا لسنا أمام صراع واسع بين موسكو وطهران في سوريا، لكن يبقى أن أمراً مماثلاً ليس مستحيل الحدوث خلال الفترة المقبلة، خاصةً أن تراجع العمليات العسكرية في سوريا، سيؤدي إلى تراجع اعتماد كل من الطرفين على بعضهما بعضاً بشكل تدريجي.