هل تتراجع إيران إلى وسط سوريا؟

 

أفاد تقرير نشرته صحيفة هآرتز الإسرائيلية قبل أيام، أن قوات الحرس الثوري الإيرني قد بدأت نقل مركز عملياتها من مطار دمشق الدولي، وذلك بعد الضربات الإسرائيلية الأخيرة، التي استهدفت عدة مرات مواقع في مطار دمشق وفي محيطه، قالت الحكومة الإسرائيلية إنها تستخدم لنقل وتخزين الأسلحة الإيرانية. وأضاف التقرير أن مراكز للقيادة والتحكم، ولنقل وتخزين الأسلحة، ستنتقل إلى قاعدة جوية عسكرية وسط سوريا، معروفة باسم مطار «تي فور» العسكري.

يحمل مطار «تي فور» اسم مطار «التياس» العسكري في الوثائق الرسمية للنظام السوري، ويقع في محافظة حمص وسط البلاد، إلى الغرب من مدينة تدمر في البادية السورية، ويمتلك إمكانيات عسكرية وتحصينات تجعله مركزاً أفضل من مطار دمشق الدولي بالنسبة للإيرانيين.

يبدو هذا التحول تراجعاً من الإيرانيين أمام الضغوط العسكرية الإسرائيلية، وهو يمنح تحركات الحرس الثوري في سوريا هامشاً أوسع للمناورة، خاصة أن المطار يقع وسط سوريا بعيداً عن الحدود بمسافة تزيد من فاعلية الإنذار من الهجمات الإسرائيلية. كما أن المطار يضم تحصينات وحظائر إسمنتية للطائرات، يمكن استخدامها بشكل أكثر فعالية للاحتماء من الضربات الإسرائيلية، خاصةً بالمقارنة مع مطار دمشق الدولي، الذي لا يضم تجهيزات وتحصينات المطارات العسكرية، بالإضافة إلى وقوعه جنوب البلاد، على مسافة ليست بعيدة من الحدود مع الأراضي السورية التي تحتلها إسرائيل.

مع ذلك، فإن مطار «تي فور» كان قد تعرض أيضاً لعدة ضربات جوية إسرائيلية، جاء آخرها في شهر نيسان الماضي، وقبلها في شهر شباط، بعد اتهام إسرائيل للحرس الثوري بإطلاق طائرة مسيرةّ خرقت المجال الجوي الإسرائيلي جنوب سوريا من ذاك المطار.

وإذا ما تم ربط هذا التطور مع الاشتباكات التي تخوضها تشكيلات عسكرية محلية بالوكالة عن كل من إيران وروسيا في سهل الغاب بريف حماة الشمالي الغربي، قريباً من خطوط التماس مع فصائل المعارضة وقريباً من نقاط المراقبة التركية، ومع الاشتباكات التي سُجلت بين الميليشيات الإيرانية وقوات متحالفة مع موسكو في محافظة دير الزور شرق البلاد، وتحديداً عند المعابر على نهر الفرات، فإنه يمكن الاستنتاج أن الضغوطات التي تتعرض لها إيران في سوريا من خصومها وحلفائها، تدفعها إلى حصر وجودها العسكري المباشر، أو الثقل الرئيسي له على الأقل، في وسط البلاد، دون الحفاظ على وصول مستقر إلى الأطراف ومناطق التماس والمناطق الحدودية مع العراق، وحتى مع لبنان أيضاً، إذ كانت قوات تابعة للنظام ومدعومة من روسيا، قد نفذت خلال العام الماضي إعادة انتشار في محيط مطار الضبعة، قرب مدينة القصير الحدودية مع لبنان في محافظة حمص.

بالتوازي مع الأوضاع العسكرية القلقة للقوات الإيرانية في سوريا، تواصل الولايات المتحدة تصعيدها الدبلوماسي والاقتصادي ضد إيران، إذ بدأت أعمال مؤتمر وارسو الوزاري أمس الأربعاء، بحضور حوالي سبعين دولة، وبرعاية الولايات المتحدة التي أوفدت نائب الرئيس ووزير الخارجية بمرافقة وفد كبير من المستشارين والدبلوماسيين، كرسالة تؤكد إصرارها على الاستمرار في تضييق الخناق على طهران. وعلى الرغم من تدني مستوى التمثيل الأوروبي في وارسو، إلا أن الرسالة الأمريكية كانت واضحة في هذا الاتجاه، ولا يبدو أن سعي القوى الأوروبية لخلق فرص وتسهيلات اقتصادية أمام إيران، ستمنع تدهور الاقتصاد الإيراني الذي بدأ يعاني بشدة من العقوبات الأمريكية التي فرضتها إدارة الرئيس ترامب نهاية العام الفائت، بعد إعلانها الانسحاب من الإتفاق النووي.

على الجانب الآخر، لا يبدو أن طهران مستعدة للتراجع عن نفوذها الذي اكتسبته جراء الدعم العسكري للنظام السوري في حربه على خصومه، ولا حتى للتخفيف من حدة مواقفها المعلنة، ذلك أن التحركات العسكرية الأخيرة لا تعني أن إيران تريد التراجع عن وجودها العسكري المباشر في سوريا، بل هي تندرج في إطار صياغة تكتيكات عسكرية جديدة، لمواجهة الوضع الراهن المتمثل بالقصف الإسرائيلي المستمر.

كذلك فإن الانتقال من مطار دمشق الدولي، لا يعني أن إيران أو الميليشيات التابعة لها ستبتعد تماماً عن الحدود الجنوبية، إذ أفادت تقارير صحفية بأن ميليشيا حزب الله اللبناني قد سيطرت على أجزاء في مطار الثعلة العسكري بمحافظة السويداء جنوب البلاد، هذا بالإضافة إلى استمرار دعم الحزب لميليشيات محلية في كل من السويداء ودرعا والقنيطرة، لتكون بمثابة أفرع محلية له في الجنوب السوري.

على عكس المتوقع، ربما تدفع تلك الضغوط إيران للهرب إلى الأمام، من خلال تصعيد الضغط في عدة ملفات لرفع مستوى تأثيرها في سوريا، من بينها ملف إدلب، الذي سيكون محور النقاش في مؤتمر سوتشي اليوم الخميس بين رؤساء كل من تركيا وروسيا وإيران، وسيشكل الضغط الإيراني فيه تحدياً لأنقرة التي تتخوف من نتائج أي عملية عسكرية واسعة في إدلب، ولموسكو التي لا تريد أن تشهد انقلاباً في الموقف التركي، خاصة قبيل الانسحاب الأمريكي من منطقة شرق الفرات.

لا يزال الوقت مبكراً للحديث عن تراجع إيراني حقيقي في سوريا، إلا أنه يمكن النظر إلى خطوات الأمريكية المتصاعدة ضد طهران بوصفها أعراضاً كلاسيكية للتحضير لعمل عسكري واسع، بالمقارنة مع الجهود الدبلوماسية التي سبقت غزو العراق واحتلال أفغانستان. ومع ذلك، فإن هذه ليست النتيجة الحتمية، ولا حتى المرجحة، بوجود شخص مثل ترامب في البيت الأبيض، قد يستيقظ غداً ويقرر تناول العشاء مع خامنئي. ويبدو في الوقت الحالي أن الإيرانيين يحاولون المماطلة، والمراهنة على انتظار تصرف مفاجئ من ترامب، يتيح لهم فرصة لتجاوز الأوضاع الأكثر حرجاً بالنسبة للنظام الإيراني منذ الإطاحة بالشاه قبل أربعين عاماً.