هل سيلتقي ترامب بروحاني؟

 

يبدو أن صبر الرئيس الأميركي دونالد ترامب قد نفذ في انتظار النتائج التي يريدها من حملة «الضغوط القصوى». فالرجل، الذي يبحث عن صفقة كبيرة قبيل الانتخابات لوضعها بين إنجازات إدارته، لا يبدو أنه سيحصل عليها في الوقت المحدد كما كان يتصور.

الضحية الأولى كانت مستشاره للأمن القومي جون بولتون، الذي أعلن ترامب عن إقالته على تويتر، يوم الثلاثاء الفائت. ليس هذا جديداً على الرئيس الخامس والأربعين للولايات المتحدة، فقد أقال عدة مسؤولين بنفس الطريقة، لكن التكهنات الرئيسية الآن تدور حول مآلات التسريبات عن رغبة ترامب بلقاء الرئيس الإيراني حسن روحاني على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة التي ستعقد في مدينة نيويورك لاحقاً خلال هذا الشهر.

مصادر رسمية قالت لوكالة بلومبرغ إن الإدارة الأميركية ناقشت خيار تخفيف العقوبات على إيران، لتسهيل عقد اللقاء بين الرئيسين الأميركي والإيراني، وتتماشى إقالة بولتون مع توجه ترامب الجديد، الذي يتعارض تماماً مع ما يدعمه مستشار الأمن القومي السابق من سياسات نحو إيران، وعدد من الدول الأخرى مثل كوريا الشمالية وفنزويلا. الرئيس الأميركي ومسؤولون من بينهم وزير الخارجية مايك بومبيو عادوا وأكدوا لاحقاً أن ترامب مستعد للقاء نظيره الإيراني وبدء مفاوضات من دون شروط مسبقة. إلا أنّ الردود الرسمية الإيرانية، حتى اللحظة، لا تبدي رضاها الكامل عن الصفقة التي يجري الحديث عنها، فقد قال روحاني خلال مكالمة هاتفية مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أول أمس الأربعاء إن: «إيران (...) ترى أنه لا معنى ولا مفهوم للتفاوض مع أميركا في الوقت الذي مازالت فيه إجراءات الحظر قائمة».

تبدو التصريحات الإيرانية حتى اللحظة وكأنها تخفي محاولة من طهران للحصول على ما يمكن الحصول عليه من رجل يريد الظهور كرجل المبادرات الدبلوماسية، خاصةً بعد فشل مفاوضاته مع كل من كوريا الشمالية وطالبان. إلا أنّ هذا التوجه قد لا يعبر عن كل الإرادة الإيرانية، إذ قد تكون الرغبة بالانتقام من ترامب، وعدم تقديم أي خدمات له خلال الحملة الانتخابية، أقوى من الرغبة بالخروج من دائرة العقوبات المشددة، فالانتقام سياسة أصيلة لدى حكام طهران الدينيين.

ضمن هذه التناقضات، يمكن ترقب سيناريوهين رئيسيين، قد ينجمان عن التوجهات الأميركية الجديدة؛ ففي حالة موافقة روحاني على لقاء ترامب مقابل تخفيف العقوبات الأميركية، فإن أثر هذا اللقاء سيتجاوز المدى الذي سيتم عنده تخفيض تلك العقوبات، إذ سيكون ذلك فرصة لكل الدول التي تريد التهرب من تلك العقوبات، أو تجاوزها للقيام بذلك عند رؤية مؤشرات التراخي الأميركي في سياسة «الضغوط القصوى» وهو ما سيفتح أبواب تصدير النفط الإيراني إلى العديد من الدول، من وراء ظهر ما تبقى من العقوبات الأميركية، فدول مثل تركيا وباكستان وكوريا الجنوبية واليابان والهند، سترى في النفط الإيراني -الذي يباع بأسعار أرخص من الأسعار العالمية- فرصة لإنعاش اقتصاداتها، بينما ستتشجع دول مثل الصين على استهلاك المزيد من النفط الإيراني، وهو ما سيعني فشل العقوبات بشكل شبه كامل، إذ سيشكل استمرارها عند مستويات دنيا ضغطاً تعودت طهران على تحمله لسنوات، الأمر الذي سيقود إلى استئنافها نشاطاتها العدوانية في المنطقة بشكل أكثر فعّالية، بعد أن تأثرت تلك النشاطات، التي تتضمن تمويل ميليشيات طائفية، ودعم قوات النظام في حربه على السوريين، نتيجة العقوبات المشدّدة.

الاحتمال الثاني، هو أن يدفع المرشد الأعلى الإيراني، وإلى جانبه الجناح المتشدد في الحرس الثوري، الرئيس روحاني إلى رفض اللقاء مع ترامب قبل إلغاء كافة العقوبات الأميركية على إيران، وهو أمر سيقود إلى القضاء على احتمال حصول مثل هذه القمة الثنائية. ستستمر العقوبات في مثل هذه الحالة، بعد أن يكون الموقف الأميركي قد تعرض لهزّة قوية، خاصةً بعد إعلان المسؤولين في واشنطن عن قبولهم عقد اللقاء من دون شروط مسبقة، ورجل مثل ترامب لن تفوته مثل هذه الإهانة، شخصيته وتصرفاته، تقول أن مثل تلك الإهانة ستكون مؤثرة جداً على توجهاته في هذا الملف لاحقاً، فقد يكون الإيرانيون قد فرحوا بخروج بولتون من فريق البيت الأبيض وكسبوا بولتون جديد عند إغضاب الرئيس الأميركي، الذي سيتوجه على الأغلب لتصعيد العقوبات مع الإيرانيين وتصعيد التوتر في هذا الملف، خاصةً إذا ما حظي بفترة رئاسية جديدة.

أما في الوقت الحالي، وحتى يتم الكشف عن مصير هذا اللقاء، فهناك مؤشران أساسيان على السياسة الخارجية الأميركية؛ الأول، أن الناجين الوحيدين في إدارة ترامب، هم الذي يتابعونه جيداً على تويتر. أما الثاني فهو موقف الباحثين في العلاقات الدولية في أكبر مراكز الأبحاث والجامعات الذي لا يُحسدون عليه. يجب على هؤلاء أن يعيدوا تقييم المحتوى الواجب معرفته قبل تقدير مواقف أقوى دولة في العالم، ستخرج كتب التاريخ والتنظيرات في العلاقات الدولية من القائمة، وتدخل برامج تلفزيون الواقع، وربما سيكون من الأفضل لهم متابعة أخبار كيم كارداشيان وتوب شيف لفهم ما يجري في عقل ترامب.