هو وأنا

مدهشة البساطة التي تكتب بها ناتاليا جينزبرغ، مدهشة وأكثر من ذلك عالية الشجاعة. كيف يمكن لامرأة من القرن العشرين أن تكتب نصوصاً بسيطة مع كل هذا الكشف والتعري أمام القارئ، عن ذاتها وعن شريكها في الحياة، وبكل تلك التفاصيل؟ لا تفسّر ولا تحلّل ولا تقول في أي لحظة أنها تعرف الطبيعة البشرية، ولكنها لا بد تعرفها وإلا لما تجرأت على هذا. وليس مثيراً للاستغراب أن إيتالو كالفينو صنّفها كواحدة من أهم وجوه الأدب الإيطالي في القرن العشرين. في مقالتها البيوغوافية الذاتية هذه: «هو وأنا»، من بين 11 نصاً فلسفياً وذاتياً كتبته بين 1943 و 1962، تترك لنا ناتاليا جينزبرغ نصاً نسوياً بامتياز. هي حتماً لم تُدرجْه كنص نسوي، فهو نص أدبي ذاتي وفيه ملامح شعرية في كثير من الأحيان، ولكنه يدرَّس في اعتقادي كنص نسوي عن الفضاءات الحميمة والعائلية التي يغرز فيها الرجل كل نقاط علامه التي تدور حول ذاته هو. هي تتهاوى ثقتها بنفسها شيئاً فشيئاً جرّاء تمحور كل شي حول ذاته هو، يُشعرها بالضعف والجهل وقلة الجدارة، من شراء الخضار إلى قراءة الخرائط. لا ضرب، لا دم، لا تعنيف، لا مواقف حدّيّة يمكن أن تخسر فيها المرأة حياتها. لا شيء من كل ذلك، فقط نزيز حزين ينبئ بغيابها وأفولها البطيء.

ناتاليا جينزبرغ (1916-1991) كاتبة وأديبة إيطالية، عاشت حياة حافلة بالتجارب والتنقلات، فبعد أن تزوجت من ليون جينزبرغ والد ثلاثة من أطفالها - أحدهم هو المؤرخ الشهير كارلو جينزبرغ - لحقته إلى منفاه في قرية إيطالية صغيرة، وبعد أن اعتُقل زوجها من قِبَل النازيين وأُعدِم، رجعت إلى روما، ومن ثم انتقلت إلى لندن مع زوجها الثاني الذي تكتب عنه في نصها هذا. عملت في دار نشر، ونشرت مقالات وروايات ونصوص عديدة، واعتُبرت من أهم أعلام الأدب الإيطالي في القرن العشرين.

نترجم فيما يلي نص «هو وأنا» من كتابها فضائل صغيرة، وقد تمت الترجمة من النسخة الفرنسية المنقولة عن الإيطالية.

pasted_image_0.png

ناتاليا جينزبرغ
ناتاليا جينزبرغ
هو وأنا

هو دائماً حرّان وأنا دائماً بردانة. في الصيف، حين يكون الجو حارّاً فعلاً، لا يتوقف عن التذمر، يغضب حين يراني أرتدي كنزة صوفية.

هو يتحدث عدة لغات وأنا لا أتحدث ولا واحدة، حتى أنه ينجح بطريقة ما أن يتحدث اللغات التي لا يعرفها.

هو عنده حس التوجه بشكل كبير، وأنا أبداً. في المدن الغريبة وبعد نهار طويل، يمكنه أن يتنقل بخفة فراشة، أما أنا فأضيع في مدينتي نفسها. عليّ أن أسأل عن طريقي للعودة إلى البيت، هو يكره السؤال عن طريقه. حين نذهب إلى مدن لا نعرفها بالسيارة، يرفض أن يستفسر عن الطريق، ويأمرني أن أنظر في الخريطة. أنا لا أتقن النظر في الخرائط، وأضيع في الرموز والإشارات الحمراء، مما يغضبه.

هو يحب المسرح والرسم والموسيقى، وخاصة الموسيقى. أنا، لا أفقه شيئاً في الموسيقى، والرسم لا يهمني إلا قليلاً، وأملّ بشدة في المسرح. أحب شيئاً واحداً في هذا العالم وهو الشعر. هو يحب المتاحف وأنا لا أزور المتاحف إلا غصباً، مع شعور ثقيل بالواجب والتعب. هو يحب المكتبات وأنا أكرهها. هو يحب السفر والرحلات والمدن الغريبة والمطاعم وأنا أتمنى لو أني أبقى في بيتي لا أتحرك.

ومع ذلك، فأنا أتبعه في رحلاته العديدة وفي المتاحف والكنائس والأوبرا، وأتبعه كذلك في الحفلات الموسيقية حيث أنعس وأنام. 

وبما أنه يعرف عدداً من قُواد الأوركسترا والمغنين، فهو يحب أن يذهب لتهنئتهم بعد العروض، فأتبعه في الممرات الطويلة التي تقود إلى قُمُرات المغنين، وأستمع إليه وهو يتحدث إلى أشخاص يرتدون أزياء كاردينالات وملوك.

هو ليس خجولاً وأنا خجولة. مع ذلك رأيته أحياناً كيف يكون وَجِلاً، مع عناصر الشرطة حين يقتربون من سيارتنا مزودين بدفاترهم وبأقلام الرصاص. معهم يصبح خجولاً واعياً لخطئه. 

وحتى حين يشعر بنفسه مخطئاً، أظنه يحترم السلطة القائمة.

السلطة القائمة، أنا أخشاها، هو يحترمها ولا يخشاها. ليس نفس الشيء. أنا، حين أرى عنصر شرطة يتقدم نحونا ليخالفنا، أفكر فوراً أنه يريد زجّي في السجن. هو، لا يفكر في السجن ولكنه يصبح خجولاً ولطيفاً من شدة الاحترام. لهذا وبسبب احترامه للسلطة القائمة تشاجرنا مشاجرة مجنونة في لحظة محاكمة مونتيسي.1

هو يحب معكرونة التاغلياتيل ولحم الضأن والكرز والنبيذ الأحمر. أنا أحب المينسترون وطبق «الخبز البائت» والعجة والخضار.

اعتاد أن يقول لي بأني لا أعرف شيئاً مما يؤكل، وبأني أشبه أولئك الرهبان الخشنين حين يبتلعون حساءات الخضار في أفيئة أديرتهم، بينما هو رفيع الذائقة واللسان، وبحُلَيمات شديدة الحساسية. في المطعم يستفسر مطوَّلاً عن الأنبذة، ويطلب زجاجتين أو ثلاثة يتفحصها، يفكر وهو يمسّد لحيته بنعومة.

في إنكلترا، يلجأ النادل في بعض المطاعم إلى هذا الطقس الصغير: يسكب للزبون كشتباناً صغيراً من النبيذ ليقرر إن كان على ذوقه. كان يكره هذا الطقس الصغير، وفي كل مرة يمنع النادل عن أدائه، خاطفاً الزجاجة بسرعة من يديه. 

أنا، كنت ألومه وأشرح له أن كل شخص عليه أن يؤدي ما يتوجب عليه ويبرئ ذمته من التزاماته. 

على نفس المنوال، في السينما لا يريد أن ترافقه الحاجبة إلى مقعده. كان يعطيها على الفور البقشيش ويهرب إلى مقاعد مختلفة عما تعيّنه له بالضوء الذي تحمله. 

في السينما، يحب أن يجلس قريباً من الشاشة وحين نذهب مع أصدقاء يبحثون كما معظم الناس عن مكان بعيد عن الشاشة، يلجأ وحيداً إلى المقاعد الأولى. أنا، أرى جيداً سواء من قريب أو من بعيد، ولكني برفقة الأصدقاء أبقى معهم من باب اللطف، ومع ذلك كنت أخشى أن يحرد عليّ لأني لم أجلس بمحاذاته على بعد إصبعين من الشاشة. 

كلانا يحب السينما ومستعد لرؤية أي نوع من الأفلام في أي لحظة من اليوم، ولكنه يعرف تاريخ السينما في تفاصيلها الدقيقة. هو يتذكر المخرجين والممثلين، حتى أقدمهم، المنسيين والمتوفين منهم. هو مستعد لقطع كيلومترات نحو ضواحٍ بعيدة ليبحث عن أفلام قديمة من السينما الصامتة، حيث يظهر ممثل من ممثلي ذكريات طفولته للحظات قليلة. أذكر عصر أحد الآحاد في لندن، كان يُعرَض في ضاحية نائية أقرب إلى الريف فيلم عن الثورة الفرنسية من سنوات الثلاثينات كان قد رآه وهو طفل وتظهر فيه لبضعة لحظات ممثلة معروفة كثيراً في عصرها. ذهبنا بالسيارة للبحث عن هذا الشارع البعيد، وكانت تمطر وكان هناك ضباب كثير، ضعنا دون هدى لساعات وساعات عبر ضواحٍ متشابهة كلها، تنتظم فيها البيوت الصغيرة في خطوط رمادية، وتنتظم كذلك سواقي الماء وفوهات الغاز. كنت أضع الخارطة على ركبتيّ ولم أتمكن من قراءتها، مما استثار غضبه. في النهاية وصلنا ودخلنا صالة سينما خاوية تماماً، ولكنه رغب بالمغادرة بعد ربع ساعة، حالما ظهر مشهد الممثلة التي في باله وانقضى. أنا على العكس، كنت أريد أن أرى بعد كل ما تكبدناه في الطريق كيف ينتهي الفيلم. لم أعد أذكر إرادة من انتصرت، إرادته أم إرادتي. ربما إرادته، وغادرنا بعد ربع ساعة، ربما لأن الوقت تأخر حينها وكنا قد انطلقنا من بيتنا بعد الظهر وكان وقت العشاء قد حان أصلاً. عند سؤاله عن نهاية القصة لم أحصل على أي إجابة مرضية، لأن القصة، كما كان يقول، لا أهمية لها. كل ما كان يهمّ هو تلك اللحظات القليلة، البروفايل، الحركات واللفتات وأقراط الممثلة إياها. 

لا أتذكر أبداً أسماء الممثلين، وبما أني لا أحفظ الوجوه على الإطلاق، أستصعب أحياناً التعرف عليهم، حتى الشهيرين منهم، وهو ما يثير غيظه الشديد وغضبه حين أساله: «من هذا أو ذاك؟» ليردّ: «أرجوك لا تقولي لي أنك لم تعرفي ويليام هولدن!».

في الواقع لم أتعرف على وجه ويليام هولدن، بالرغم من أني أحب السينما أنا أيضاً، ولكن برغم حبي هذا وارتيادي السينما لسنوات لم أتمكن من بناء ثقافة. هو، على عكسي، بنى ثقافة في كل ما يثير فضوله. أنا، لم أستطع أن أراكم ثقافة في أي مجال كان، حتى في الأشياء التي آثرتها وأحببتها. بقيت في داخلي مثل صور مبعثرة لتغذي لواعجي وذكرياتي دون أن تجسر هوة أو تحيي صحراء في ثقافتي. 

يقول لي أني أفتقر إلى الفضول. هذا غير صحيح، عندي فضول لأشياء قليلة، عندما أعرفها عن قرب أحتفظ منها ببضع صور مبعثرة، بإيقاع وقفلة جملة أو كلمة. بيد أن عالمي الذي تزهر فيه هذه الإيقاعات معزول واحدها عن الآخر، غير مرتبطة بأي ناظم - اللهم إلا ناظم سري خفي حتى أنا لا أعرفه. هذا العالم أجرد وميلانخولي. عالمه، بالمقابل، عالم أخضر كثّ، غنيّ وريّان، ريف خصب حيث تبزغ غابات وبراريّ ومساكب خضار وقرى.

بالنسبة لي، كل نشاط هو شديد الصعوبة، متعب، غير مؤكد. أنا كسولة وأحتاج إن كنت أريد إتمام شيء ما أن أسترخي وأتكاسل لساعات ممددة على الأرائك. هو، لا يعرف أن يبقى بدون نشاط يشغله، دائماً مشغول بشيء ما، ينقر على الآلة الكاتبة والراديو مفتوح. وحين يريد أن يستريح بعد الظهر، يذهب وفي جعبته مسودّات للتصحيح أو كتاب ممتلىء بالملاحظات الجانبية، ويريد أن يذهب في نفس اليوم إلى السينما ومن ثم إلى استقبال ما ـ قبل أن نذهب إلى المسرح. ينجح في أن ينجز ويجعلني أنجز سلسلة من الأشياء المختلفة في يوم واحد، أن نلتقي أناساً متنوعين، وإن كنت وحدي وأردت أن أفعل مثله لا أتمكن من شيء لأنني حين أظن أنني سأنجز العمل في نصف ساعة، أبقى معطّلة طوال بعد الظهر، لأنني أضيع ولا أعثر على الطرقات. ربما لأن أحد الأشخاص الأكثر إثارة للملل والذي لا أريد بأي حال من الأحوال أن أراه، يجرّني معه حيث لا أريد.

إن رويت له كيف قضيت بعد الظهر، يرى أن نهاري مهدور ويتسلى بالسخرية مني ويغضب ويقول أنني لولاه لا أنفع لشيء. 

لا أعرف تنظيم وقتي، هو يعرف. يحب الاستقبالات ويذهب إليها مرتدياً ألبسة فاتحة، بينما يذهب الجميع بملابس داكنة. فكرة أن يغيّر ملابسه ليذهب إلى استقبال لا تخطر على باله، حتى أنه يذهب بمعطفه المطري العتيق وقبعته الصوفية المهلهلة التي اشتراها في لندن والتي ينزلها باتجاه عينيه. يبقى هناك لمدة نصف ساعة فقط، يحب أثنائها أن يثرثر وفي يديه كأس، ويلتهم الكثير من الكاتوهات الصغيرة، وأنا تقريباً لا أتناول شيئاً لأني حين أراه وقد تناول كل هذا أمتنع عن تناول أي طعام من قبيل اللطف والستر. في نهاية النصف ساعة، ما أن أبدأ بالاستئناس والتعود على الجو، ينفذ صبره ويملّ ويخرجني معه. 

لا أعرف الرقص وهو يعرف. 

لا أعرف النقر على الآلة الكاتبة وهو يعرف. 

لا أعرف السواقة، كلما طرحت عليه فكرة أن أجتاز فحص رخصة، يرفض. ويقول أني بكل الأحوال لن أتمكن من سواقة السيارة أبداً. أعتقد أنه يحب أن يراني معتمدة عليه في العديد من الأشياء. 

لا أعرف الغناء وهو يعرف. عنده صوت باريثوني بين القرار والجواب. لو أنه اشتغل على صوته لكان أصبح مغنياً مشهوراً.

لو أنه درس دراسات موسيقية لكان أصبح قائد أوركسترا. حين يستمع لأسطوانات الموسيقى يدير الأوركسترا بقلمه الرصاص. في نفس الوقت، ينقر على الآلة الكاتبة ويرد على الهاتف. هو شخص ينجح في إتمام عدة مهمات في وقت واحد. 

هو أستاذ وأعتقد أنه يدرّس جيداً. 

كان من الممكن أن يحترف عدة مهن، ولكنه لا يندم على أي من المهن التي لم يحترفها. أنا لم يكن ليمكنني الانخراط إلا بمهنة واحدة - المهنة التي اخترتها وأقوم بها منذ صغري تقريباً. أنا أيضاً لا أندم على أي من المهن التي لم أمتهنها. الفرق بالمقابل أنني لم أكن بقادرة على مزاولة أي مهنة ثانية.

أكتب القصص القصيرة وعملت لفترة طويلة في دار نشر. 

لم أكن أعمل بشكل سيء ولكن كذلك ليس بشكل جيد جيداً. 

رغم ذلك، كنت أعي أني ربما لم أكن لأتمكن من العمل في أي مكان ثانٍ، كان لدي علاقة صداقة وود مع رفاقي ورب عملي. كنت أشعر أني لولا هذه الصداقة لكنت تحطمت تماماً ولم أكن لأتمكن من عمل أي شيء.

لطالما غذّيت في نفسي فكرة أن أكتب يوماً سيناريوهات للسينما. لم تأتِ الفرصة، أو ربما لم أعرف كيف أتلقفها. حالياً فقدت كل أمل بأن أكتب يوماً سيناريو سينما. هو، عمل على سيناريوهات سينما لبعض الوقت، عندما كان شاباً. هو أيضاً عمل في دار نشر. كتب قصصاً قصيرة كذلك، فعل كل ما فعلت، ولكن هو علاوة على ذلك فعل أشياء كثيرة أخرى.

هو يعرف أن يقلّد الناس، وخاصة كونتيسةً عجوزاً، ربما كان من الممكن أن يكون ممثلاً موهوباً. 

مرة في لندن، غنّى في مسرح. قام بدور أيوب. كان عليه أن يستأجر ملابس. استأجر وجهّز وحضر بثيابه، وقف أمام مِقرأ وغنّى، كان يغني كلمات النبي أيوب، شيء ما بين الأمثولة والغناء. أنا، كنت في حجرة من المسرح ميّتة من الخوف أن يرتبك أو أن ينسى بنطلون الزي. 

كان محاطاً بسادة مرتدين أزياء وبنساء بثياب سهرة، كانوا الملائكة والشياطين وشخصيات أخرى من غنائية أيوب. 

كان نجاحاً كبيراً ورددوا له أنه جيد جداً. 

لو أحببت الموسيقى، لكنت أحببتها بشغف، في حين أني في الواقع لا أفهمها، وفي الحفلات الموسيقية حيث يجبرني على اتباعه، أكون غالباً شاردة وأضيع في أفكاري أو أغط في نوم عميق. 

أحب الغناء. لا أعرف الغناء وليس عندي أذن موسيقية، ولكني مع ذلك أغنّي، أحياناً. أغنّي بنعومة حين أكون وحدي. 

أعرف أني أنشّز حين أغني، أعرف لأن الآخرين أخبروني. لا بد أن صوتي يشبه مواء القطط. ولكن أنا، بنفسي، لا ألحظ شيئاً من كل هذا، وأستمتع متعة كبيرة حين أغني. هو، إن سمعني أغني يقول أن غنائي هو شيء ما خارج الموسيقى، شيء ما اخترعته. 

عندما كنت طفلة كنت أنعق بمقاطع صوتية اخترعتها، حدائيات لطميّة تنتزع الدموع من عينيّ. 

لا أكترث بأني لا أفقه شيئاً في الرسم والفنون التشكيلية، ولكني أعاني من عدم فهمي للموسيقى، لأني أعتقد أن روحي تعاني من حرمانها من هذا الحب. إلا أنه لا فائدة، لن يمكنني يوماً فهم الموسيقى وحبها. إن سمعت أحياناً موسيقى تسرني وتستهويني لا أتذكرها. كيف يمكنني حب شيء لا أتذكره؟ 

أتذكر كلمات الأغنية، ويمكنني أن أعيد كلمات أغنية أحبها إلى مالانهاية، وأعيدها بموائي على طريقتي، بموائي نفسه، وأستشعر وأنا أموء سعادة بالغة. 

لديّ انطباع أني حين أكتب أتبع ايقاعاً موسيقياً ما، ربما كانت الموسيقى قريبة جداً من عالمي، ولكن عالمي هذا لم يعرف أن يستقبلها كما يجب. 

في البيت، نسمع الموسيقى طوال الوقت، يبقي الراديو شغّالاً طوال الوقت، أو يضع الأسطوانات. أعترض من وقت لآخر وأطالب بقليل من الصمت كي أتمكن من العمل، ولكن هو يقول أن موسيقى جميلة هي بالتأكيد مفيدة للعمل. 

اشترى عدداً هائلاً من الأسطوانات، ويقول أنه يمتلك أجمل مكتبة أسطوانات في العالم. 

في الصباح، يخرج من الحمام ببرنسه والماء يقطر منه، ويجلس أمام آلته الكاتبة، ويبدأ يومه الصاخب العاصف والمجهد. كل شيء فيه طافح، يملأ برّاد الشاي وكأس الشاي، حتى ينسكب ويطفح. عنده عدد هائل من القمصان والكرافات، بالمقابل نادراً ما يشتري أحذية.

أمه تقول أنه حين كان طفلاً كان نموذجاً للترتيب والدقة، وحين كان يترتب عليه أن يقطع مسافات في الطين في الريف بحذاء أبيض، في يوم ماطر، كان يصل إلى نهاية النزهة دون بقعة طين واحدة على طقمه وحذائه. 

اليوم لم يبقَ فيه أي أثر لذلك الطفل النظيف المرتب، ثيابه مليئة بالبقع دوماً، وأصبح فوضوياً قليل الترتيب. 

رغم ذلك فهو شديد الدقة فيما يتعلق بفواتير الغاز التي يحفظها. أعثر في الدروج على فواتير قديمة للغاز لبيوت متروكة من زمن بعيد ويرفض أن يرميها. أجد كذلك سيجار توسكان عتيق وبزازة سيجار من خشب الكرز. 

أنا أدخن سجائر ستوب، طويلة، وبدون فيلتر. هو يدخن بين الفينة والأخرى سيجار التوسكان هذا. 

عندي فوضى مرعبة، ولكن مع العمر أخذت أقدّر وأندم على الترتيب، وأحياناً بمشقّة كبيرة، أرتب الخزائن. أعتقد أني أتذكر أمي حينها. أرتب خزائن الغسيل والأغطية وأغطّي في كل مرة الدروج بقماش أبيض. نادراً ما أرتب أوراقي، لأن أمي لم تكن تكتب ليكون لديها أوراق ربما. ترتيبي وفوضاي مليئان بالندم وبالمشاعر المعقدة. هو، لديه فوضى منتصرة. لقد قرر أنه كشخص منتج ويعمل يحق له أن تكون طاولته غير مرتبة. 

هو لا يحسّن فيَّ التردد والتشكك في كل فعل أُقبِل عليه، ولا من شعوري بالذنب. لديه عادة الضحك والسخرية من مشاعري في كل فعل أُقبِل عليه مهما صَغُر. إن كنت أريد التسوق، يلحقني ويتبعني دون أن أراه ويراقبني ويسخر من طريقتي في التسوق ويسخر من طريقتي في تثقيلي للبرتقال في يديّ مختارة أسوأ ما في السوق بحسب تعبيره. وينكش لي أسباباً تافهة للشجار، مثلاً أني بقيت أكثر من ساعة للتسوق، لأني اشتريت البصل من بسطة والكرفس من بسطة والفواكه من بسطة أخرى. أحياناً يقوم هو بالتسوق ليعلّمني كيف ينجز الشراء بسرعة، يشتري كل شيء من نفس المكان دون تردد وينجح بطلب توصيل المشتريات. لا يشتري الكرفس لأنه لا يحبه.

وهكذا أصبح لدي شكوك أكثر من أي وقت مضى حول كل ما أقوم به. ولكن إن أمسكته يرتكب خطأ ما أبقى أعيده على أسماعه حتى ينفذ صبره، لأني من الممكن أن أكون منغصة.

غضباته مباغتة، وتطفح مثل رغوة البيرة ولكنها تتبخر بسرعة. غضباتي كذلك مباغتة ولكنها تمكث وتجر أذيالها بشكل فجائعي وكأنها مواء مرّ وهو ما يدعو للملل على ما أظن. 

أحياناً، في مورة إعصار غضبه، آخُذ بالبكاء، وبدل أن تثير دموعي شفقته وتعاطفه، تجعله أكثر غضباً، ويقول أن دموعي ليست إلا تمثيلاً. ربما كان ذلك صحيحاً لأني في وسط دموعي وغضبه أشعر أني مطمئنة تماماً.

فيما يخص أحزاني الحقيقية، لا أبكي أبداً. 

كان هناك وقت، حين أغضب، أرمي الصحون والمواعين على الأرض. الآن لم أعد أفعل ذلك، ربما لأني تقدمت في السن ولأن غضباتي أضحت أقل عنفاً، ولأني في الوقت الحالي لم أعد أتجرأ على المساس بصحوننا التي أتعلق بها والتي اشتريناها يوماً من شارع بورتوبيللو في لندن.

انخفض في ذاكرته سعر تلك الأطباق وأشياء كثيرة اشتريناها، لأنه يحبذ تصديق فكرة أنه لم ينفق الكثير وأنه أنجز صفقة شراء. أنا أدرك تماماً سعر تلك الأطباق وأعرف أننا دفعنا فيها 16 جنيه، هو يقول 12 جنيه. نفس الشيء بالنسبة للوحة الملك لير في غرفة الطعام، وهي لوحة اشتراها في شارع بورتوبيللو ونظفها بالبصل والبطاطا ويقول أنه دفعها بسعر وأذكر أن سعرها كان أكثر بكثير مما يقول. 

قبل سنوات اشترى دزينة من ستائر السرير. اشتراها لأنها لم تكن غالية وبغاية تموينها كما يقول. اشتراها لإغاظتي، لأنه يجد أني غير قادرة على شراء أي شي للمنزل. هذه الأغطية النبيذية اللون أخذت مع الوقت هيئة منفّرة ومتخشبة مثل جثة، وكنت أمقتها وهي معلقة على حبل الغسيل في بلكون المطبخ ولطالما لمته على هذا المشترى وهو يردد أنها لم تكلف إلا القليل، القليل جداً، لا شيء تقريباً. لَزِمني بعض الوقت قبل أن أرميها كلها، لأنه كان هناك كمية منها ولأني في لحظة رمْيها كنت أتردد وأقول في نفسي أنها قد تنفع كخروق للتنظيف. هو وأنا لدينا صعوبة في رمي الأشياء، يعود الموضوع عندي لمظهر من المظاهر اليهودية في الحفاظ على الأشياء وتوفيرها، وعنده كمحاولة لمقاومة النوازع والاندفاعات.

عنده عادة أن يشتري كمية كبيرة من البيكربونات والأسبرين. 

أحياناً يمرض بأعراض غامضة ولا يعرف أن يشرح ما يشعر به، يبقى في السرير طوال النهار، متدثراً بأغطيته ولا نرى إلا لحيته ورأس أنفه الأحمر. 

يتناول الأسبيرين والبيكربونات بجرعات حصان، ويقول أنني لا يمكن أن أفهمه، لأني بعافية جيدة طول الوقت مثل الرهبان الخشان الذين لا يهابون الهواء والطقس البارد، وهو على عكسي، ليّن وناعم ويعاني من أمراض غامضة. في المساء يشفى ويذهب إلى المطبخ لطهي التيغلياتيلي. 

حين كان شاباً، كان وسيماً، نحيفاً وأهيف، لم يكن لديه لحية ولكن شارب ندي ويشبه الممثل روبيرت دونات. كان كذلك حين عرفته قبل عشرين عاماً، وأذكر أنه كان يرتدي تلك الكنزات الاسكتلندية من قماش الفانيلّا. أذكر أنه في مساء، اصطحبني إلى البانسيون حيث كنت أسكن، ومشينا سويةً طوال شارع النازيونال. من وقتها كنت أشعر بنفسي عجوزاً مثقلة بالتجارب وبالأخطاء، وهو كان يبدو لي طفلاً، بعيداً عني أميالاً شاسعة. لم أعد أذكر ما قلناه لبعضنا حينها، لا شيء ذا أهمية على ما أعتقد. كانت فكرة أن نصبح زوجاً وزوجة بعيدة عني تماماً. ابتعد طريقانا ولم أعد أراه، وحين التقينا من جديد، بدا لي يشبه بلزاك أكثر من روبيرت دونات، وكان ما زال يرتدي تلك الكنزات الاسكتلندية ولكنها أصبحت تشبه العدّة المستخدمة للرحلات الاستكشافية في القطب الشمالي. كان قد أصبح ملتحياً ويرتدي البيريه الصوفية المهترئة وكل ما فيه يوحي بمغادرة قريبة إلى القطب الشمالي. مع أنه حرّان طول الوقت، كان يلبس وكأنه محاط بالثلج والجليد والدبب القطبية، أو على العكس يلبس وكأنه صاحب مزارع قهوة في البرازيل، المهم أنه لا يلبس أبداً كأي إنسان عادي. 

إن ذكرته بنزهتنا على طول طريق النازيونال، يقول أنه يتذكرها ولكني أعرف أنه يكذب وأنه لا يتذكر شيئاً، وأنا أحياناً أتساءل إن كنا نحن هذين الشخصين قبل عشرين عاماً على طريق النازيونال. شخصان ثرثرا بلطف وبتهذيب عند غروب الشمس، وتحدثا في كل شيء وحول لا شيء. متحدثان لطيفان، مثقفان في نزهة، في يفاعة شبابهما، خلوقان، مهيّآن لاستحسان بعضهما بخفَر، مهيّآن بقوة لأن يستأذن واحدهما من الآخر إلى الأبد عند الشمس الغاربة في زاوية الطريق.

  • 1. محاكمة جرت في إيطاليا في خمسينات القرن الماضي حول جريمة وجدت فيها فتاة شابة مقتولة، ويظن أن الشرطة تواطأت مع مشبوه به من الشرطة كي لا يحاكم