واقعة الجاتوه وبولسة جنسانية النساء

 

خليط السكر والطحين والزيت المنتفش في الفرن أصبح يهدِّد قيم الأسرة المصرية اليوم! في نادٍ خاص وعلى طاولة خاصة، احتفلت مجموعة من النساء المصريات، وتناولْن قطعاً من الحلوى تحمل مجسمات من السكر على هيئة أعضاء جنسية وملابس داخلية. تسرّبت صور الجلسة متضمنة وجوه الحاضرات. وفي تطور سريع للأحدا ث، تمّ القبض على صانعة الحلوى، وتحول الأمر إلى قضية عامة و«تْرِند» عُرف بـ: واقعة الجاتوه الخادش للحياء.

كعادته، يموت التْرند وتبقى الأسئلة التي أثارها حاضرة. لا أنوي هنا الخوض في تفاصيل الواقع القاتم الذي تُجَرّ إليه النساء في مصر بمختلف الحُجَج الأبوية الفارغة، إنما أرغب بمحاولة الإجابة على سؤال: لماذا يُخيفنا أن تعبّر النساء عن أي صورة من صور الجنسانية؟ كيف نمارس «البَولسة» (policing) الممنهجة، بدءاً من رسم قواعد المسموح والممنوع في جنسانية النساء، والرقابة على الالتزام بالحدود المرسومة، وصولاً إلى الجَلد الصارم في حال تخطّيها؟

بحسب تعريف منظمة الصحة العالمية، يتم اختبار الجنسانية والتعبير عنها في «الأفكار والتخيّلات والرغبات والمعتقدات والمواقف والقيم والسلوكيات والممارسات والأدوار والعلاقات، بينما يمكن أن تشمل الجنسانية كل هذه الأبعاد، إلا أنه لا يتم اختبارها جميعاً أو التعبير عنها دائماً. ويتأثر النشاط الجنسي بتفاعل العوامل البيولوجية والنفسية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية والقانونية والتاريخية والدينية والروحية». وانطلاقاً من هذا التعريف، يمكننا الإضاءة على أعمدة الـ«بولسة» على جنسانية النساء في العالم العربي.

أغلقي رجليك، افتحي رجليك

كنت مراهقةً حين سمعتُ، مع عيون بأقصى اتساعها، عن احتفال إحدى سيدات حلب بعيد ميلادها بثيمة جنسية، حيث زيّنتْ مزرعتها بواقيات ذكرية منفوخة وملابس داخلية مثيرة، وقدّمتْ حلويات شبيهة بحلويات واقعة الجاتوه، وارتدت بدلة رقص وقبلت «نقطة» الحاضرات كراقصة محترفة. قلتُ في نفسي يومها: قلة حياء! لكن الموضوع كان حتماً مثيراً للاهتمام.

الصباح التالي، نقلتُ التفاصيل لصديقاتي بصوت منخفض في حصة مدرسية مملة. كتمنا قهقهاتنا وتبادلنا النكات الجنسية الجديدة، مصدر «ثقافتنا» الجنسية الوحيد تقريباً، إلى جانب الحكايات التي نسمعها من قريباتنا وصديقاتنا، كحكاية أخت صديقتنا التي لم تنجح بعد أسبوع من زواجها في ممارسة الجنس، أو فض الغشاء بتعبير أدق. «اربطها، خدّرها، دبّر راسك»، تنصح أمُّها العريسَ خائفةً من الفضيحة أو الملل الذي قد يقوده إلى الزواج من أخرى.

تمتدُّ حياة الفتيات التقليدية في مجتمعنا بين لحظتين: «أغلقي رجليك، عيب» و«افتحي رجليك لزوجك»، ولا انتقال سلساً بين اللحظتين. لا يُسمح للفتاة العربية باختبار المشاعر تدريجياً، اختبار الرغبة، اللمسة الأولى، القبلة الناعمة، الشبَق المراهق، الشبَق الناضج، وممارسة الحب طوعاً ورغبة. هذا التسلسل يتعارض مع صورة الفتاة المهذبة التي يُزيّنُها حياؤها.

الحياء… الأشياء تدور عادةً في فلك هذا الاسم، يُعرّفه المعجم بأنه «تغيُّر وانكسار يعتري الإنسان مِن خوفِ ما يُعَاب به ويُذَمُّ، ومحلُّه الوجه». أجد في التعريف قدراً لا بأس به من الانسجام مع المعمول به في مجتمعنا. فما إن تبدأ معالم البلوغ بالظهور على الفتاة حتى تبدأ محاولات تطويعها وتعديل سلوكها ولَيِّ عُنُق جنسانيتها، وكسره إن لم يلن، فالجنس معاب ومذموم طالما يحدث دون ورقة رسمية مُشْهَرة وعلنية. تنقلب المعادلة 180 درجة عندما تُوقَّع الورقة المباركة، فيصبح الحياء مُعاباً ومذموماً، والجنس واجباً مقدّساً لا يُقال له لا - وإلا لعنتنا الملائكة.

«متزوجة منذ ستة أشهر وزوجي يحبّ أن يمعن النظر ’تحت‘ عندما نمارس الجنس، وأنا أخجل ولا أحتمل وأغلق ساقيّ لاشعورياً. هل لديكنّ حلول؟»، استفسار باسم وهمي في مجموعة كبيرة تتبادل فيها عشرات آلاف النساء، معظمهنّ سوريّات، النصائح والمعلومات الجنسية والتنمر في أكثر الأحيان. الردود معتادة ومكرَّرة في هذه المجموعة، وتعكس غالباً الموروث الشعبي الذي يسندها: «بس يتزوج عليكي بتستحكمي تفتحي»، «ما خجلانة ينام معك بس خجلانة يشوفك»، «يلا سكري رجليكي، بعدا نزّلي ’زوجي بيشوف أفلام إباحية ساعدوني‘»، «ارضيه بدل ما تجي غيرك ترضيه». لا اعتبار لكون الفتاة عاشت حياتها ممنوعةً من كشف ذراعها أو كاحلها أو خصلة من شعرها، ووجدت نفسها فجأةً في سرير مع رجل بالكاد لمسها في السابق، ومُطالَبةً بأن تتحول لـ«شرموطة» حقيقية - بالمعنى التقليدي والجائر للكلمة - تنصاع وتطيع ولا تعرف كلمة لا، وتبادر أحياناً؛ أحياناً فقط.

المرأة الواعية لاحتياجاتها ورغباتها تُخيف وتزعج. لنأخذ مثلاً جديداً من المجموعة ذاتها: «متزوجة منذ سبعة أعوام ولدي طفلان، زوجي بارد جنسياً، يقترب مني في الشهر أو الشهرين مرة، ولا يهتم بأن أصل للنشوة، ماذا أفعل لأزيد من رغبته؟ علماً أنني نظيفة ومرتبة». لا تأتي الردود أكثر لطفاً من الحالة السابقة: «خلص جبتي ولدين، إهدي واقعدي»، «كلن هيك، لا تصدقي حكي النت»، «حلّي عن الزلمة، منيح عميطلع معه شي بهالظروف»، «ما عدتو تصبرو». مجدداً، دعوات لضمّ الساقين المشروط والتعفُّف عن الرغبة الجنسية طالما أنها نابعة من المرأة ذاتها.

إذاً، هل يعني التحول إلى شرموطة لإرضاء الزوج أنّ للمرأة الحق بالاستمتاع بالدرجة ذاتها؟ بالتأكيد لا، كل شيء محسوب ومرسوم. في الفترة الأولى، من الضروري أن تُبدي كثيراً من الخجل والارتباك. القدر الصحيح من التمنّع المغناج أيضاً لا غنى عنه. لاحقاً عليها أن «تحرّك حالها» لإرضائه.

لا مانع من إبداء بعض الرغبة والمبادرة، لكن يرتسم الخط الأحمر عند المطالبة بالمتعة الشخصية. فالحقوق الزوجية لا تتساوى بين المرأة والرجل في هذا الشكل من العلاقات، وبينما تكون الفحولة الجنسية عاملاً مهماً من عوامل الرجولة مجتمعياً، تحلّ الأمومة والخصوبة والرِّقة محلها لدى النساء، فنحن كما تقول شيماماندا نغوزي أديشي: «نعلّم الفتيات أنه لا يمكن أن يكنّ كائنات جنسية، كما هو الحال مع الصبيان».

أنصح بأغنية كتاب الحب لكاظم الساهر كخلفية موسيقية للنص هنا. ما الذي يمكن أن يكون أنسب من كلمات نزار قباني وهو يُطالب امرأته بأن تقاومه بما أوتيت من حيل إذا أتاها كالبركان مشتعلاً، فـ«أَحْلَىٰ الشِّفَاهِ الّتِي تَعصِي، وَأَسوأُهَا / تِلكَ الشِّفَاهُ الّتِي دَومَاً تَقُولُ بَلَىٰ». ما لا يغنيه كاظم هو بقية المقاسات التي يُمليها شاعرنا على «امرأته»، فمن الضروري أن تغرس أظافرها في عنقه، ولا تكون شاةً ولا حملاً. هل ترون وضوحاً الأرجوحة المنصوبة للمرأة في خياله؟ قطبَيها المتنافرين المتمحورَين حول متعته ولا شيء غيرها؟

جنسانية بتاريخ صلاحية

الوظيفة التي خصّت بها الطبيعة المرأة هي الحمل والولادة، مهام تحتاج رحماً ومبيضين «فعّالين» لأدائها. كان هذا دور المرأة البيولوجي، ثمّ قاد أمر إلى آخر، ووجدت المرأة نفسها تُختصر إلى أداة للحمل والإنجاب وأداء المهام التي لا تقتصر بيولوجياً على جنس أو جندر دون غيرهم.

هذا الدور المحوري للمرأة في مجتمعنا جعل عامل «الصلاحية» للحمل والإنجاب يدخل في تقييمها لذاتها، وساهم في رسم حدود المسموح والممنوع جنسانياً بالنسبة لها. في «واقعة الجاتوه» احتلّ عُمْر السيدات المُشارِكات في الجلسة موقعاً هاماً في الجدل الذي أثارته الواقعة، فكيف لسيدات تجاوزْن الخمسين التخلي عن وقارهنّ بهذه الطريقة؟

حين كنتُ في الصف السابع، أبهرنا مسلسل أشواك ناعمة بطرحه قضايا جدلية حول المراهقات في مدرسة ثانوية سورية، والسيدات السوريات بصورة عامة. لعبت سلمى المصري دور حنان، المرشدة النفسية اللطيفة في ثانوية البنات والأم لثلاثة شبّان. تظهر على حنان مجموعة من الأعراض الصحية تعتقد أنها مرتبطة بانقطاع الطمث، لكنها تكتشف لاحقاً أنها حامل. نشاهد نوبة الغضب التي انتابت ابنها الدكتور غيث عند سماعه الخبر، فكيف لأمه أن تحمل وتنجب وقد تجاوزت الخامسة والأربعين؟ ونسمع اتهاماته لها بالتسبب بفضيحة وجلب العار للأسرة.

بقي هذا الموقف في ذهني سنين عديدة، فإذا كانت ممارسة الجنس في إطار الزواج أمراً مُعيباً، وخارجه أمراً محرماً وممنوعاً، متى تمارس المرأة الجنس إذاً؟ لأكتشف لاحقاً أن القضية أكبر من ممارسة الجنس؛ إنها تبدأ قبل وقوعه ولا تنتهي بانتهائه.

بينما يُرى الرجل كالنبيذ الذي يلذّ كلما تعتّق، تُرى المرأة كحبّة عنب تجِفّ وتتجعّد كلما كبرت. ومن الغريب أنني أملك تجربة شخصية بهذا الخصوص في عمر السادسة والعشرين: كنت قد شاركت صورة على فيسبوك غزا فيها الشيب شعري، متحدثةً عن علاقتي بالشعر الأبيض وارتباطه بمنظومة تقييد النساء، لأجد تعليقاً من أحد المتابعين يخبرني بثقة أن الأمر واضح تماماً، فإن كنتُ أريد أن أتزوج وأحظى بحياة جنسية فَعَلَيَّ صبغُ شيبي، إذ يصعب الحفاظ على انتصاب عند رؤية الأخير! هالتني يومها وقاحته بتقديم تفضيلاته الجنسية كحقائق، إلا أنه كان، مع الأسف، معبّراً عن فكرة سائدة حول «تاريخ صلاحية النساء».

ما إن تتجاوز المرأة العربية سن الأربعين حتى تلاحقها تهمة «التصابي»، والتصابي هو أي فعل ينافي الانغماس في الكهولة فعلياً. من الممكن أن نستعرض نموذج «الشحرورة» في هذا السياق. هذه الصبوحة الممتلئة بالحياة، والقادرة على ارتداء ابتسامتها والوقوف على قدميها بعد كلّ نكبة مرّت بها، كانت دائماً محلّ تندُّر وانتقاد وتهامس، وكان عمرها محرِّك النكات الجنسية السخيفة التي تبادلناها في مراهقتنا.

في مادته ساعات ساعات: العمر كسلطة اجتماعية، يقول فراس حمدان: «طوعتْ صباح فنها للتعبير عن حبها للحياة كلما تقدمت بالعمر، وربما كانت السلطة الاجتماعية الأقوى تأثيراً على صباح هي التوقعات بأن تخضع لصورة نمطية لمن يعبرن سن الستين في مجتمعنا الذي دائماً ما يدعو إلى حشمة أو التواري في المنزل بعيدًا عنا، كأن حياة النساء تتوقف عند الستين. هذا الامتداد لفلسفة عجلة الإنتاج في المجتمعات الرأسمالية الاستهلاكية، والتي تحكم على الموظف بالتقاعد في الستين من عمره، لم تستطع قتل فن صباح الذي لم يكن وظيفة بل فلسفة حياة».

المرة الأولى التي تجولتُ فيها في باريس لفتتْني مُسنّاتها: سيدات تجاوزن الثمانين والتسعين بكامل أناقتهنّ وزينتهنّ وحيويتهنّ. قفزت إلى ذهني يومها العبارات التي كانت جزءاً من المشهد اليومي حولي في حلب: «لابسة جينز مفكرة حالا صغيرة»، «حاطة حمرة، ما بتستحي»، «فوشيا؟ مفكرة لعمرها هاللون؟»، وبالتأكيد: «تتزوج؟ وتعمل عرس كمان؟ بدها تاخد عمرها وعمر غيرها؟». كل هذه الاتهامات تواجه النساء اللاتي تجاوزن الأربعين، تُلاحقهنّ النظرات والامتعاض والتعبير اللفظي عن رفض أسلوب حياتهنّ إذا أبدَينَ أي إقبال على الحياة، فتأتي البَولسة على جنسانيتهنّ مضاعفةً وأكثر توحّشاً.

شرطيّ المؤسسات

بالعودة إلى الحادثة التي افتتحنا بها النقاش، «واقعة الجاتوه»، نستطيع الولوج إلى بَولسة الدولة على جنسانية النساء، واستخدامها كسلاح لقمعهنّ، بدءاً بقوننة الظلم عبر تشريعات لإجبارهنّ على نمط ملابس معيّن، مروراً بجرائم الشرف والزواج من المغتصب، ووصولاً إلى مهزلة تهمة التعدي على «قيم الأسرة» والتحريض على الفسق والفجور، التي أصبحت كابوساً يطارد المرأة في الحالة المصرية.

السجن عامَين وغرامة مالية 300 ألف جنيه طالت «فتيات التيك توك»، بتهم الاعتداء على المبادئ والقيم الأسرية للمجتمع المصري وإنشاء وإدارة حساب خاص على شبكة المعلومات الدولية بهدف ارتكاب الجريمة موضوع الاتهام. سلسلة من الانتهاكات الدستورية والإنسانية، تبدأ بالاعتقال التعسفي ولا تنتهي بالإرهاب النفسي وكشوف العذرية، تحكم واقع المرأة المصرية اليوم.

هذه الماكينة الأمنية لا توفّر مدخلاً لإذلال النساء بجنسانيتهنّ، فهي لا تستهين مثلاً بقدرتها على إخضاعهنّ لكل العار المرتبط بنزفهنّ، وإطلاق وحش بيولوجيتهنّ بحرمانهنّ من الفوط النسائية في الحجز والسجن. هكذا يكسرون المرأة عضوياً ونفسياً.

في سوريا، ينافس نظام الأسد نظيره المصري في إحكام القبضة الأمنية على النساء باستخدام العنف الجنسي في المعتقلات، وتحويله إلى شبح يطارد أي امرأة سورية تفكّر بقول «لا» في سوريا. مئات الشهادات أرعبتْنا وأيقظتْنا مفزوعات من نومنا، فرغم استخدام العنف الجنسي ضد الذكور داخل المعتقلات وخارجها، إلا أنّ لاستخدامه ضد النساء خصوصية شديدة، فهو سلاح إذلال يتعدى المرأة ليطال أسرتها وعشيرتها، ويكون وصماً يطاردها حتى بعد انقضائه.

وعلى حداثة المثالين السابقين، إلا أن بَولسة جنسانية النساء في العالم العربي تعود لأبعد من ذلك بكثير. تُظهر التجربة السعودية أيضاً مدى تأثير الحكومات على خنق جنسانية النساء والتغوّل على حرياتهنّ وتحوير أسلوب حياتهنّ. كما لا يمكن تجاهل تجربة حزب البعث في فرض تصوُّره عن الجنوسة في المدارس السورية: بدلة عسكرية باللون الخاكي، خصلات مقيدة، حذاء أسود عسكري، منع كامل لطلاء الأظافر ومساحيق التجميل، ومِشية وصوت وضحكة مفروضة ومحددة بدقة كما يرضى عنها البعث.

نضيف إلى ذلك منظومة كاملة من القوانين التي ترسّخ العنف المبني على النوع الاجتماعي في العالم العربي، والسياسات العامة التي تهمّش الصحة الإنجابية والجنسية للنساء، والتي تناضل النسويات والمنظمات النسوية والمدافعون/ات عن حقوق الإنسان لتعديلها وإلغاء آثارها التي انحفرت في الوعي الجمعي للشعوب.

شرطيّ الدين

عبر التاريخ كانت جنسانية المرأة موضع تقويم وقولبة من الأديان. كثيرون تابعوا شرطيّ الديانة اليهودية وهو يسحق إنسانية «إيستي» فتاة التسعة عشر عاماً في مسلسل «اللاقويمة» Unorthodox. لا تملك إيستي وأيّ من نساء مجتمعها الحاسيدي المتشدد أية سلطة على جنسانيتهنّ. كل شيء منتظم ضمن مسار لا تُحمد عقبى الخروج عنه.

لنضع بَولسة الإسلام لجنسانية المرأة تحت العدسة، باعتباره الدين الأكثر انتشاراً في دول العالم العربي، وكونه مصدراً تشريعياً معتمداً في كثير من دساتير وقوانين هذه الدول، بالإضافة إلى دوره المركزي في مجتمعاتها. ليس خفيّاً أن الإسلام لا يحرّم الجنس باعتباره جزءاً من الطبيعة البشرية، إنما يضع ضوابط واضحة له، والأدبيات الإسلامية التي تشرح هذه الضوابط عديدة ومفصّلة، ربّما أكثر من اللازم أحياناً، إلّا أنها تبقى بمعظمها موجَّهة للرجل باعتباره «الفاعل». الجدل اليوم يدور حول مدى توافق هذه الحدود مع عصرنا الحالي، في ضوء الاكتشافات البيولوجية والتشريعات الحديثة وحقوق الإنسان والمرأة والأنواع الجندرية.

في كتابه سوسيولوجيا الجنسانية العربية (2009)، يرى عالم الاجتماع المغربي عبد الصمد الديالمي أن الجنسانية «قبل أن تكون موضوع بحث علمي، هي أولاً وقبل كل شيء ظاهرة اجتماعية شمولية تدور حول مصالح معقدة ومتناقضة». يميّز الديالمي بين خمسة مستويات للجنسانية: المستوى السايكوفيزيولوجي، الرمزي-الثقافي، النمطي، المؤسساتي، والأيديولوجي.

يلعب الدين دوراً في بولسة جنسانية النساء على كافة الأصعدة سالفة الذكر: بدءاً من الاشتهاء والرغبة على الصعيد السايكوفيزيولوجي، حيث يعبس بشدّة على اشتهاء النساء للنساء؛ مروراً بالبعد الرمزي الذي «يوظّف المعطى البيولوجي في التنشئة الثقافية» عبر ممارسات مثل الختان؛ وعلى الصعيد النمطي الذي يشمل طرق الجماع، فلا يترك النساء حرّات بالكامل لاختيار ما يرضيهنّ، ويقبل بأشكال مؤسساتية محددة تكون فيها الجنسانية مقبولة مثل الزواج بأشكاله ويرفض غيرها؛ وأيديولوجياً يوفّر أنظمة رقابة تفصل بين «الشرعي واللاشرعي، والمقدس والمدنس».

تبدأ عملية رسم حدود الجنسانية في البيئات المتدينة في بدايات البلوغ، وربما قبلها إذا ما نما جسد الفتاة قبل أن تأتيها الدورة الشهرية. على الفتاة أن تفهم أنها مصدر «فتنة»، وأنها مطالَبة بالتالي بإخفاء هذه الفتنة عبر الاحتشام في الملبس وطريقة السير والكلام والضحك، فلا يمكنها أن تضع العطر الذي «يفتن» الرجال، وتصبح الجنوسة عورة، وكل ملامح جنسانيتها المكتسبة حديثاً تهمة من الواجب سترها واحتقارها.

وعلى الرغم من أن الإسلام لا يقدّم مبررات متفقاً عليها لختان الفتيات، الذي يُمارَس باسمه رغم تحريم بعض السلطات الدينية له، إلا أن الدين يدعم الأيديولوجيا التي تقف خلفه وتسنده. فيتمحور الختان حول الذكَر فعلياً، وحول الزوج بصورة محددة: «التجمّل» له وارتداء حزام عفّة أبَديّ يقيه من خيانة الزوجة حتى في أفكارها. سواء أدى الختان هذا الغرض بيولوجياً أم لا، لا يمكن نفي هذا الهدف منه واستخدام هذا الهدف في التسويق له مجتمعياً وشعبياً.

ولا تأخذ الرضائية دوراً مهماً بما يتعلق بجنسانية المرأة في الإسلام، فالجنس الرضائي خارج إطار الزواج يعدّ فعل زنا وتُعاقَب عليه المرأة بالجلد، وقد يصل للقتل - ما يعرف بجرائم الشرف الشائعة في العالم العربي. هذا التحريم للجنس خارج إطار الزواج دينياً ومجتمعياً، يضع قيداً غليظاً حول جنسانية المرأة، فبانتظار الزوج الذي قد لا يأتي، تبقى قنوات الممارسة الجنسية محدودة وضيقة، بدءاً من الاستمناء غير المحبَّذ شرعاً، مروراً بممارسات جنسية لا تصل إلى الزنا لكنها تبقى مغلّفة بالذنب والعار، أو القَبول بزوج غير مناسب بالضرورة، وصولاً إلى محاربة ذاتية للرغبة بكل ما تنطوي عليه من تحقير للذات وكراهية لها.

وأيضاً بما يتعلق بالرضائية، لا نجد تحريماً صريحاً للاغتصاب الزوجي في النصوص الدينية، فالمرأة المسلمة مطالبة بتلبية دعوة زوجها لممارسة الجنس في أي وقت، باستثناء وقت تكون «معذورة» شرعاً، وحتى في هذه الأوقات تُشجَّع الكثيراتُ على عفّ الزوج بممارسات جنسية لا تتضمن الإيلاج، وشطب كلمة «لا» من قاموس حياتهنّ الجنسية الزوجية. ولا يُباح تعدد الأزواج للمرأة بأيّ شكل من الأشكال، ويروَّج في المجتمعات العربية لفكرة أن المرأة مفطورة على نبذ تعدد الشركاء عاطفياً وجنسياً، بعكس الرجل الذي «يحتاج» عدة شريكات بيولوجياً وسايكولوجياً.

من الطريف أن هذه البَولسة تحاصر المرأة حتى بعد أن تتوقف عن التنفس وتكفّ نهائياً عن الحياة، فبينما تُكفَّن أجساد الرجال بثلاث قطع من القماش، تُلَفّ المرأة بخمس قطع. هو ليس أمراً طريفاً في الواقع.

شرطيّ الذات

في الواقع المعاش، أدنى أشكال التعبير عن الجنسانية مرفوضة في كثير من الأحيان، كالتفكير بشراء ملابس داخلية مثيرة حين لا تكون المرأة متزوجة، أو وضع أحمر شفاه فاقع اللون في المساحات العامة، أو ممارسة فعل مغرق في عاديّته كتناول الآيسكريم في الشارع. لهذه البَولسة على جنسانية النساء انعكاسات واضحة على نظرة المرأة لنفسها، وصحتها النفسية والفيزيولوجية، ورؤيتها لموقعها في الساحة العامة.

يمكن أن نفهم الكثير حول نظرة المرأة لجنسانيتها عبر علاقتها مع دورتها الشهرية. ما يزال هذا التفصيل البيولوجي مصدر عار لكثير من النساء العربيات، يُخفينَه كخطيئة، وكثيراً ما يعتبرنه «نجاسة». نحن نُخفي الفوط النسائية في أكياس سوداء، ونرتدي ملابس داكنة، نمتنع عن الأكل والشرب في أيام الدورة في رمضان رغم الرخصة الشرعية، ونُجيب آنسة الدين بحياء حين تدعونا لتلاوة سورة بأننا «لسنا طاهرات» كي نتلو. ولا أعتقد أن كثيرات منا جاهزات للقول «لدي الدورة الشهرية» بدلاً من «أنا مريضة/متعبة» عند سؤالنا عن أعراض نزْفنا الشهري.

يمتدّ رفض الجنسانية ليشمل علاقتهنّ بأجسادهنّ. تصبح أتفه شعرة «زائدة» مصدر قلق، ويشكّل سؤال «زهري أو أسود؟» هاجساً للنساء. بحث محموم عن خلطات لتبييض المناطق الحساسة، والتجاء للعلاجات المبالغ بها مثل التقشير العنيف والليزر وغيرها لقشط التصبغات، فضلاً عن لاعب جديد على الساحة وهو عمليات تجميل «مهبل الباربي»، التي تشبه الختان فعلياً وتصبو لتحقيق مظهر بلاستيكي مصقول يشبه ما تقدمه المجلات والأفلام الإباحية.

ليس خفياً أن النساء تُواجَهن بالوصم المجتمعي لأجسادهنّ، وباتهامهن بأنهن المسؤولات عن التحرش بهن واغتصابهن فيما لو لم يرتدين قفصاً حديدياً عاتماً وفضفاضاً حين خروجهنّ إلى الشارع. رغم رفض كثير من النساء لهذه الحجج ومحاربتهنّ الشُجاعة لها، إلا أن الواقع يدفع كثيراً من النساء لإخفاء ملامح جنوستهنّ، وتعديل طريقة سيرهنّ وتخشين أصواتهنّ في المساحات العامة. ولا يكون من السهل دائماً الحفاظ على التوازن بين الحياة الخاصة والعامة، سيما أن الحياة الخاصة لا تتسم دائماً بالحرية كما أسلفنا.

في المساحة الأكثر الخصوصية، تنتصب القيود بين المرأة وخيالها، فتخشى من التواصل مع نفسها جنسياً، إما للاعتبارات الدينية التي تحدَّثْنا عنها، أو خوفاً من خرق غشاء البكارة المقدّس، أو خشية إيقاظ مارد الرغبة المنوَّم وما قد يترتب عليه من آثار على الحياة الزوجية المستقبلية.

على العكس من ذلك، قد تحتفي بعض النساء بجنسانيتهنّ في حضور النساء وحدهنّ. لطالما لفتني الاختلاف الفاقع بين سلوك النساء في الشارع في حلب وسلوكهنّ خلف الأبواب في الأفراح والتجمعات النسائية. تكشف ملابسُهنّ عندها أكثر مما تخفي، ويُترَك الجسد ليسبح في فضاء الغواية، يتحزّمْن ويتبارَين بالرقص الشرقي على حلبات الرقص وعلى أطراف المسابح في أيام النساء، ويتشاركْن الحكايات عن فحولة أزواجهنّ ومهارتهنّ في إرضائهم حتى حين لا يكون ذلك واقعَهنّ بالفعل.

هذه البولسة على الذات الجنسية لا تقتصر على صاحباتها، فهي تساهم في تشكيل السردية الجنسية للفتيات اللاتي ينشأن في أوساط غير متصالحة مع جنسانيتها، فالطريقة التي نتعلّم بها أسماء أعضائنا الجنسية، وكيفية العناية بها، وحدود هذا العالم وآفاقه، هي محور السؤال الذي يحاول هذا النص الإجابة عنه.

التاريخ العربي غنيّ جداً بالأدبيات الجنسية والإيروتيكية، في الوقت الذي يُسوّق فيه الحديث عن الجنسانية في العصر الحديث على أنه ترفٌ أو أمرٌ هامشي. وبينما تقاتل النساء حول العالم لاستعادة السيطرة على أجسادهنّ وجنسانيتهنّ بمختلف أشكالها وانعكاساتها، يبقى الطريق الأطول والأكثر تعثراً للمرأة العربية، وتبقى جنسانيتها هدفاً ورعباً.