وحل

تقديم

إلى الزعيم الرؤوم، الشاب، الأب، الفذّ، الدكتور، المعلم، بشار الأسد.

هو

العصافير على أسلاك الكهرباء، معلقة كأشياء ميتة، والمدينة تضج بالخواء. الشمس تغيب خلف الغيم، والبنايات الإسمنتية تتفشى على مرمى البصر كسرطان يجتاح الشوارع والذاكرة.

يلوّح لها بيده، ويبتسم. تفتح عينيها عن آخرهما، تصطدم ببائع الكعك في الطريق وتعتذر، تسرع في خطوها وتقف على الرصيف المقابل، تنتظر مرور السيارات، تمد خصلة شعر أفلتت من تحت المنديل.

يمدّ يده في جيب بنطاله، يحاول ليَّ قضيبه الذي كاد ينتصب فجأة، وينظر إلى الصف الطويل الذي لا ينتهي من السيارات، يقطع الشارع باتجاهها.

يمدّ يده.

***

هي

الشوارع أوصال المدينة الخاوية، هوائيات التلفاز على الأسطحة تجرح بطن الغيم. سيارات، سيارات كثيرة، وجوه متعبة ومحايدة. وأطفال حفاة يلعبون في برك المطر الآسن، (ثمة جرح في حلقها. يشبه حلقُها من الداخل بناية ألقى بها الحظ في وسط الاشتباكات في بابا عمرو)، وجهها متعب وعيناها تائهتان.

كفٌّ تلوّح في البعيد، كفّه هو، تُمعن النظر، «كفّه، هو».

تستجمع قواها، وتسير، تَلَقَّت لكزةً في خصرها أوجعتها، تعتذر، ترتبك، تركض كأنها تحاول الهروب، والشارع مليء بالسيارات. تقف، تنظرُ إليه، يمدُّ الآن يده في جيبه، لا بدَّ أنه يبحث عن سجائره، وتشتهي لو تستطيع التدخين في الشارع.

يمرق من تحت صورةٍ مكبّرة للزعيم المبتسم الذي يصنع إنجازات البلد قطعةً قطعة،

يمرق من تحت صورة الزعيم، يمرّ ويعبر الشارع تجاهها.

تمدّ يدها.

***

- كيفَك؟

- تمام، كيفِك إنتِ؟

***

يمدّ يده، يحتفظ بالمسافة الكافية لاتقاء أنظار الفضوليين. ترخي يدها، تنظر إلى بقعة غير محددة في وجهه، تركّزُ نظرها على حلقه، بقعةٌ طازجةٌ من الدم هناك، كعادته حين يحلق ذقنه. يبتسم بودٍّ ملحوظ، ودٌّ بلاستيكيٌ وجاهز، تدرَّبَ عليه كثيراً.

***

- «كيفِك؟» قال، «يا للبرد!».

- تمام، كيفَك إنتَ؟

***

منذ عالمٍ كامل مات

منذ زمن، منذ عالمٍ كامل مات، تحت المطر ذاته، تحت الغيمة ذاتها، في شارع قريب، احتضنها، غطى شعرها بالجريدة السريّة، الحروف التي تحكي عن الأيام الآتية تحولت إلى صباغ أسود بلَّلَ كفَّه وكتف معطفها.

قَبَّلَها. ركضا حتى الشقة الفقيرة، أغلقا الباب. شَرَبَ المطر عن جسدها العاري، وهي احتوته حتى ضاع فيها جنيناَ، أكلا خبزاً، شَرِبَا الشاي على الأرض، وَضَعَ في المسجلة شريطاً موسيقياً أحضرَته من المغرب. عانَقَها، لفَّتهُ برائحة شعرها واختبأا من البرد عاريين في السرير، كَتَبَ اسمهُ بالحبر على بطنها، خَدَشَت، بظفرها، رأس قلبٍ على صدره، وَضَعَت رأسها على كتفه، قرأا سوياً قصيدةً حزينةً لفادي جومر، أشعلا سيجارةً واحدة، دخناها حتى الرمق الأخير وناما متعانقين.

 

***

- ...

- ...

***

الصورة

برك الوحل والسخام تملأ الشارع، تحت صورة الأب القائد الذي يعتمر قبعة عسكرية ونظارات سوداء، والأولاد يبيعون الكعك ويعبرون الشارع، والسيارات الفارهة تسير مسرعة فيتطاير المطر رذاذاً بنيّاً ولزجاً على صناديق الخضار المعروضة، والشرطيّ يدخن سيجارة محليّة وينفخ في كفيه من البرد.

***

- كيفك؟

- تمام، كيفك إنت؟

***

صورة الديكتاتور، ثانيةً

الزعيم الآن ينظر إليهما، يبتسم، «قد بايعناك».

يبتسم الزعيم ويكاد يخرج من الصورة المكبّرة المعلّقة بين عمودي إنارة، ويكاد يعانقهما.

الزعيم يبتسم، أسنانه بيضاء.

الزعيم يبتسم

«قد بايعناك»

***

- كيفك؟

- ....

***

ماضي: يسيلان، وتعشقه

الغاز المسيل للدموع، كلاب النظام، مجنزرات الديكتاتور في الشوارع، والهتاف الطالع من حلوق مشروخة، ويدُها تمسك بخاصرته.

ويهتفان، ويطلعان في الشوارع

ويشتهيها، تعشقه ويتلقيان الهراوات، وتتلقاهما الأكف وينتشران في شرايين المدينة مع الغاضبين، وينتشران، ويعشقها، وينتشران، ويصعدان ويسيلان في حبر الجرائد السرّية، ويسيلان، ويصعدان مع الآتي ومع لغة البرق في شعارات الحائط، وستاتوسات فيسبوك الساخرة، واسم الديكتاتور على الإسفلت، والدم الذي يشطفه المطر عن الأرصفة المشتعلة بالكاوتشوك، وليل الشقق السرّية الطويل، والجدالات التي لا تنتهي، وتعشقه، وينتشران.

وتعشقه

***

- تمام، كيفك إنت؟

***

هو، هي، وصورة الديكتاتور

- أريد أن أدخن سيجارة، أدفع نصف عمري مقابل سيجارة الآن، ما رأيك بالذهاب للمقهى؟

- لا أريد أن أتأخر، تعرفين، موعد الباص، ثم، منذ متى تدخنين؟

تبتسم، ويبتسم، والزعيم يبتسم، والعصافير تصطف جامدة على أسلاك الكهرباء، جامدة كأشياء معدة للبيع الرخيص، كطابور سجناء رماديين وذاهبين إلى المشنقة، والبلاد تحتفل بميلاد الزعيم.

***

يتصافحان، ثانيةً

الزعيم يبتسم في الصورة، والمذيع يتحدث في الراديو عن إنجازات البلاد في عهد الأب الراعي، وفايا يونان تغني في المقهى القريب، والسيارات الفارهة تعبر الشارع.

- عليك أن تتصل، عندما تأتي إلى العاصمة في المرة القادمة.

- سأفعل، كوني بخير.

الزعيم الأوحد ما زال مبتسماً، ومكتوب تحت الصورة «قد بايعناك».

يتصافحان، يسير كل منهما في اتجاه، ويرغب لو يسير نحو نهاية العالم، العالم الذي يموت.