وطن لم تصنعه أشعار حسين حمزة

 

الوطن والإنسان

كان يا ما كان يا دهب رنان، غالي الوطن غالي غالي والأغلى الإنسان 

كان «وطناً» و«أرضاً» أكثر مما هو «بلد» كما يُردَّد في المسلسلات المصرية، مع أن كثيرين منا استعاروا مشاعر المصريين وشاركوهم ذاكرتهم التلفزيونية الجمعية حول «البلد». هذا الوطن الذي ارتجف على ارتجاف صوت حسين حمزة الأجشّ، المُشبَّع بنيكوتين وقطران دخانه، وحنجرته الحورانية، كان حزيناً ومبهماً. لم ننتبه صغاراً لـ «والأغلى الإنسان»، بقدر ما حاولنا الإمساك بملامح الوطن غير الواضحة والمُثقِلَة على المشاعر. كان يبدو في مسلسلاتٍ، امتدت من نهاية السبعينات (حارة القصر) إلى نهايات الثمانينات (الهجرة إلى الوطن) وحتى منتصف التسعينات، أن هناك أشياءَ ليست على ما يرام والإنسانُ فيها بحالٍ سيء، إلا أن العناصر المُشكِّلَة لهذا الوطن الحزين لم تكن دائماً في حيّز الإدراك والفهم، بل كانت، غالباً، قائمةً على تمثيلاتٍ عاطفية ونوستالجية. ما هو المُجمَع عليه في هذا الوطن بعد موضوع الاستقلال والاحتلال الفرنسي و«المُشترَك الأخلاقي المريح»، على حد تعبير عمر الغزي، في مقاله عن المسلسلات التاريخية ضمن الملف هذا؟   

المُلاحِظُ لتطور «الدراما» السورية بعد بداية الثورة، وخاصةً بين عامي 2011 و2013؛ العامان المفصليان خلال العشرية المنصرمة؛ وخاصةً ما بعد 2013، سيفهم إلى أي مدى هي ديناميكية في صوغ خطابٍ سياسي يتفاعل مع الحدث ومستجداته السياسية. هذا الخطاب يتفاعل أيضاً مع خطاباتٍ تنتجها تياراتٌ، ليست بالضرورة مؤيدةً للنظام بالمعنى المبتذل الأول للكلمة، ولكنها مُعارِضة بشدّة لأي معارضة سياسية، بما يتجاوز معارضتها للنظام القائم. وهو ما يضفي عليها انطباعاً بعدم السكونية، وبوجود هوامش تعبير. الدراما تُبرِزُ هذا الخطاب وتُعيد تَدويره، للوصول إلى نتيجة صفرية لا سياسة فيها، بل «وطن يُدمّره خونة أو مغفلون». كانت «الدراما» مُتفاعِلةً كذلك مع خطاب المعارضة في أدق تفاصيله، «تُعفّشه»، تقلبه، وتضعه في سياقات تاريخية مختلفة لتربح معركةً في حرب الدلالات والمعاني والذاكرة، أو تقويض الذاكرة. المُلاحِظ لتطور «الدراما» هذه سيرى أيضاً أنها لم تَثبَت على شكلٍ كاريكاتوري، أو «كيتش» في موقفها من الثورة (انظر مقال نيكولا أبلت في هذا الملف عن تأطير الثورة في مسلسل فوق السقف عام 2011)، بل إن  الشكل أصبح مشغولاً أكثر مع محافظته على سمةٍ أساسية، حين يَصنع صنماً يُعبد لوطنٍ غير محدد المعالم، غير مُجمَعٍ عليه، خارج عن السياسة، تذنيبي، وسينيكي، مُجرَّد وغير مأهول بحد ذاته، قاطنوه طارئون وعبءٌ عليه؛ وطنٌ يشتغل على تورية الانتهاك والتطبيع معه.

في مسلسل بلا غمد، إنتاج عام 2016، تبدو الأمور الأخلاقية محسومة في شخصية ضابط الجيش النزيه (يقوم بدوره محمد الأحمد)، الذي يحاول الإمساك بمنفذي عملية ضد ضابطٍ آخر في الجيش. الضابط مثالٌ للوطنيّ النزيه الذي يصمد في وجه كل التغيرات الاجتماعية والاقتصادية الأمنية التي تحصل في البلد. والعالم وراء الحاجز الذي يقف عنده ضابطنا هو عالم مؤامرات وعصابات؛ هناك سُكّان شرفاء قليلو الحيلة، ورجال دين معتدلون مغلوبٌ على أمرهم، يعيشون تحت سطوة «مسلحين» ومُدعي دين (يقوم بدوره وائل رمضان) مِزواج، متموّل، يتعامل مع مُبيضي أموال ورجال أعمال، ويغرر بالشباب لتدريبهم على عمليات إرهابية. في هذه المرحلة، أي عام 2016، أتاحت المعطيات الميدانية والسياسية لنبوءات النظام ذاتية التحقيق الابتعاد شكلاً عن معالجات كاريكاتورية للحدث السوري من نمط بقعة ضوء عام 2011 وعام 2012، وحتى مرايا في نُسخها الأخيرة؛ وأتاحت كذلك إدخال بعض المقولات عن وجود حراك شعبي صادق فعلاً في «البداية»، ولكنه مُغفَّلٌ ومُغرَّرٌ به. الثابت هو المفهوم غير الواضح والقسري والمُذَّنِّب للوطن والوطنيين.

نجد الترسيمة نفسها مع حواجز عسكرية تفصل بين الوطنيين وغير الوطنيين في مسلسل  عناية مشددة، إنتاج عام 2015، الذي يلقى فيه العسكري النزيه ضياء (مرةً أخرى محمد الأحمد) حتفه بسيارةٍ مفخخة على حاجز في نهاية المسلسل. وضياء هذا هو ابن موظف فاسد (عباس النوري) يرتشي، ويكتب التقارير الأمنية المؤذية ويقدمها لضابط فاسد. في هذه المرحلة من المسلسلات، كما في مسلسلات العقود السابقة، ما زالت الأهلية الأساسية للوطني الحق هي الصبر والثبات في مكانه دون أن يتغير في مواجهة الفاسدين، دون الكثير من هوامش الفعل الممكن، بل يكفي الوطنيُّ العُبوسَ والأسى وإدانة فساد الأفراد ذوي النفوس الضعيفة، إدانة دون توجيهها بشكلٍ واضحٍ للمُدان، بل غالباً لـ«الزمن الرديء». على العموم، يمكن الاستغناء عن التعبير لأنه قد يستجلب ردة فعلٍ على طول اللسان، وأي فعلٍ غير التعبير هو مُدان، حتى لو كان نبيلاً. الفساد والتسلط قدرٌ عليك، لستَ مجبراً أن ترتع فيه أو تحبه، ولكن إياك أن تحاول تغييره، لأنك، في أحسن الأحوال، غبيٌّ وجانٍ على نفسك، حتى لو كنت صادقاً ونواياك حسنة، إذ أنك، بمحاولة تغيير أشياء تفصيلية (كالفساد والظلم والتسلّط)، ستؤذي حتماً الجوهر المقدس: «الوطن».

هذا الخطاب هو الخطاب الوطني المحافظ (وليس الموالي)، خطابٌ وقِيَمٌ استبدنها كذلك كثيرون من المشتغلين السابقين في السياسة. وليس هذا الخطاب جديداً، بل الجديد هو الديكور المواكب للحدث السوري الكبير الذي هزّ سوريا بعد 2011. قد تكون الشخصيات مُرَكَّبَةً درامياً أحياناً على المستوى الإنساني البحت، ولكنها حتماً تدور في فلك الظاهر، أي لا يمكن أبداً التطرق لأي شيءٍ من مكونات الدولة العميقة الأمنية، وحتى الضباط الفاسدون هم موظفون بالمعنى الإداري البيروقراطي للكلمة.

ربما نجد في مسلسلات سامر رضوان: الولادة من الخاصرة، أو دقيقة صمت حديثاً، بعضاً من أوجه الدولة العميقة، طبعاً دون التعرض يوماً، بالمسمى، للحكم الملكي العائلي في سوريا. من الملفت أن أياً من المسلسلات في العقد الأخير، حتى تلك التي كانت ظروف إنتاجها وتصويرها وتمثيلها بعيدةً عن القبضة الأمنية في سوريا، لم تُذكَر فيه أي من الأسماء المعاصرة لنظام الحكم في سوريا، ويبدو هذا تقليداً راسخاً في فنون الفرجة السورية: «الإسقاطات». كان السوريون مولعين بفك أحجيات «الإسقاطات» وتورياتها، حتى دخلت التورية  كعنصرٍ أساسي في التلقي. بيد أن التورية تصبح خطيرة حين تصبح أسلوب حياة، كما سنرى.

أورويل لاند

ولاد الأرض السمرا، ضحكتهم فوارة، تطليعتهن حرّة، وجبهاتن منارة. مهما عريو وجاعو، مهما بليلن ضاعو، عمرن ما بهونو وعمرن ما بينباعو، هني الشجر الواقف وصامد بالأرض الدوارة. ولاد الأرض السمرة هني اليوم وبكرة، بإيديهن فرح الإنسان بعيونن غضب البركان، وقت الشدة إيد بإيد وخطواتن هدارة  

مَنْ مِن السوريين لم تهزّه أغنية شارة المسلسل الأيقونة هجرة القلوب إلى القلوب بصوت فهد يكن؟ هناك الاعتزاز والكرامة المجرّدة؛ عنصران في نفسية جمعية تُردِّدُ بين الحين والآخر «الشعب السوري ما ينذّل»، مثلها مثل «عدم الهوان» رغم الجوع والعري، ومثل الصمود و«الخطوات الهدّارة». ربما هذا هو المُجمَع عليه كوطنية؟ قيمٌ شعورية؟ لكن «الخطوات الهدّارة» تأخذ امتلاء معانيها حين تُرجِعها آلة الزمن إلى ما وراء سورية المعاصرة، إلى حيث ميدان أحداث المسلسل في منطقة القلمون الشرقي، في نواحي جيرود بعيداً، قبل الاستقلال.

وبمناسبة الحديث عن الهوان والذلّ، في مسلسل فوضى، إنتاج العام 2018، وضمن عدة قصصٍ تجري في حي دمشقي يضمّ السكان الأصلاء والنازحين من الأحياء المدمّرة، والتي لا نعرف بالطبع من دمّرها، هناك قصة أخيّن نازحين؛ أحدهما يُعتَقَل لفترة يبدو أنه يُعذَّبُ فيها، على ما تقول حاله الجسدية والنفسية بعد خروجه من المعتقل. في إحدى اللقطات، وقبل خروجه من المعتقل، يسأل أحد جيران الحي الجديد أخاه عن مكانه، وحين لا يجيب الأخ يفهم الجار ويقول «بالأنّينة؟» بصوت مُسلِّم بقضاء الله وقدره، وكأن الاعتقال قدرٌ أو تأدية خدمة إلزامية تضاف إلى السيرة الذاتية لساكني البلاد. الملفت في تورية «الأنّينة/الزجاجة/القارورة» قسوتها المتناقضة مع محاولة التخفيف والنبرة شبه الطبيعية للمُتسائِل.

الأنينية، بِضيقها المتناهي المُطبِق على الأنفاس، ولكن أيضاً «الأنينة» بوصفها أداة تعذيب واغتصاب تم توصيفها في المعتقلات السورية. من نافل القول أن نذكر إنه لم ترد أي أسباب سياسية أو جنائية للاعتقال ضمن المسلسل. الاعتقالُ مكمّل درامي للحبكة التي تقتضي غياب الأخ، وبذلك تحديداً تبدو تطبيعاً مع العنف؛ الاعتقال لا يستدعي أسباباً، هو طفحٌ جلديٌّ خطيرٌ بعض الشيء قد يظهر على أحدهم. الدمار والحرب والنزوح سينوغرافيا لترسيخ فكرة تصنيم الوطن والصمود، ولكن ليس صموداً بفعل، بل صموداً بمعنى لا فعل، بمعنى الصبر على الملمّات، وكره من غادر المكان بوصفه خائناً لفكرة الوطن التي لا تتضح صلتها بفكرة المواطنة، إلا من حيث الذاكرة الجمعية للمكان، أو أن الأمر غير واضحٍ لنا. ويُضحي تخوين المغادر المهاجر وقحاً فاجراً غروتسكياً في «أعمال» أخرى، مثل بقعة ضوء أو حتى في أعمال أكثر جدية مثل مسافة أمان، حيث هدف «الهجرة» الأساسي هو الحصول على ميّزات السياسات الاجتماعية في بلدان اللجوء، حيث يتنقل أحد الأزواج (يلعب دوره جلال شموط) بين ألمانيا وسوريا على هواه وبحسب الظروف والنساء المتوفرات ومزاجه الزوجي. أما عدم التطرق لمن أنزل الدمار بمدن كاملة في لقطات متلاحقة، في مسافة أمان على سبيل المثال، فيتم تدبّره بصوت راوٍ خلفي. تؤدي الصوت شكران مرتجى، لتتحدث بحسّ جوقة مأساةٍ إغريقية عن قابيل وهابيل وما آل إليه اقتتالهما. «المواطن» في المسلسل يصبح متفرجاً مرّة ثانية على مسلسل لا يعنيه مباشرةً في حياته (انظر مقالة زياد عدوان في الملف نفسه عن فرجة المسلسلات كنمط حياة) وكأننا في لوحة mise en abyme، مُتفرِّجٌ يتفرّجُ على مُتفرِّج، يتفرج على مُتفرِّج. يصل الانحراف النفسي في لعبة الفرجة على الفرجة إلى أن يصبح الواقع تمثيلاً والتمثيل واقعاً. في مسلسل كونتاك (إنتاج العام 2019)، أصبحت الضربات الكيماوية والوجوه المبيضة بغبار ردم القصف في ضواحي دمشق مادة مسخرةٍ أكثر مما هي مادة سخرية، فالسكّان الذين تقوم أمل عرفة بتمثيلهم يدهنون أوجههم بدهان أبيض لادّعاء الرزوح تحت الردم والقصف، ويدّعون كذلك الاختناق جراء الضربات الكيماوية. وقد يقول قائلٌ إن الإفراط في التأويلات السياسية والنفسانية لهكذا لقطات غير سديد، فالكاتب (الكتّاب في حالة هذا المسلسل) لا يفكر مع سبق النيّة والإصرار في أن يستهزئ بضحايا القصف الكيماوي. الحقيقة أن كل الخطر في العوالم السينيكية الأورويلية هذه أن المنتج الثقافي الجماهيري، السيد مسلسل، يقوم بدور المُكرِّر من حيث لا يدري لخطاباتٍ تنتجها عدة دوائر، هدفها الأساسي من المسخرة هو الإنكار ومراجعة الوقائع وزرع التشكك، حيث لا حقيقة ساطعة في أورويل لاند، حيث الضحايا يلعبون دور ضحايا.    

التطبيع مع العنف، ومع الاعتقال على وجه التحديد، يبلغ مرة أخرى حداً أورويلي الطابع في قلب المعاني واللغة، ليصبح المعتقل «مستشفى» في إحدى «لوحات» مسلسل ببساطة الذي عرضته قناة لنا التلفزيونية عام 2019، وليصرّ المحقق ألا يُنادَى بـ «سيدي» بل بـ «دكتور»، حيث هدف الاعتقال هو تقويم المجتمع. يلبس المحقق رداء الأطباء ويضع على جيب الرداء ثلاث محاقن طبية؛ الاعتقال معالجة تقويمية إذاً.

ثقافوية السيد مسلسل في مواجهة سوريا غير متجانسة

في مسلسل نساء من هذا الزمان (إنتاج عام 2013)، تُطالعنا من الحلقة الأولى لقطاتٌ متتابعة متراصّة عن تخلّف مجتمعنا: امرأة في قصر العدل لفكّ عقد زواجها بعد أن ادّعى الزوج عليها بالكذب، فقد اكتشف أنها غير عذراء. ثم نراها تشرح سبب كذبها لصديقتها المكبوتة التي تنتظر عريساً ولا تتخلى عن عذريتها. بعدها، نرى رجلاً يعمل «نجّار باطون/معمرجي»، يُسيء معاملة زوجته ويُعنّفها ويجبرها على شمّ جواربه المتعفنة، ولا يسمح لها أن تأكل من السفرة الممدودة له، ويقيّد حريتها في الخروج والدخول، ويظهر الزوج ككارهٍ للنساء على العموم والمتعلّمات على وجه الخصوص. ونرى لقطة لرجل أعمالٍ فاسدٍ هائل الثروة، يتعامل مع ضباط كبار، له ابنة سخيفة مهتمة بمظهرها وعمليات تجميلها ورياضتها ولا تستطيع أن تنسّق جملتين مفيدتين، ثم نرى ابن الثري الفاسد شاباً وسيماً(محمد الأحمد أيضاً) يحاول أن يفهم ما يحصل في البلد، ويوظِّفُ في شركة أبيه ابنة معتقل سياسي، ويحاول أن يجري استقصاءاتٍ ميدانية مع صديقٍ له في المواصلات العامة لسبر آراء المستخدمين حول جودة المواصلات، ولكن الناس المبحوثين الذين تُوزَّعُ عليهم أسئلة السبر لم يتجاوبوا لأنهم غير معتادين على هكذا مبادرات ديمقراطية في الشارع: قلّة العادة والأهلية هي المشكلة. بعدها، نرى أمّاً لطبيبة نفسية مريرة تكره الرجال لأنها، فجأةً نكتشف، تعرضت للتحرش وهي طفلة صغيرة، ونرى أيضاً روائية انتهازية تكذب باستمرار لتسويق روايتها، وتحاول في مقابلاتها الضرب على الوتر الحسّاس الذي يساعد في تسويق رواياتها، وهو تابو الجنس طبعاً. المجتمع إذاً مُترَعٌ بالكذب والنفاق والفساد، والتخلف الاجتماعي العميق المُهمِّش للمرأة والمُضطهِدِ لها. المشكلة ليست في إبراز ملامح مرضية لا يحملها المجتمع، فمن البداهة أن كل تلك الأمراض موجودة في مجتمعنا، بل المشكلة في فجاجة الشكل الذي ليس إلا «تكراراً» لمقولات سلطوية تُرسى أكثر فأكثر، وخاصة عبر التكرار، مفادها عدم أهلية سكان هذا البلد لأي انتقال ديمقراطي، فالأمراض المتغلغلة فيه وجهله تجعله غير مؤهل. طبعاً، مرة أخرى، الحرب والاعتقال خلفية لخدمة الحبكة الدرامية ليس إلا.

مرة أخرى التاريخ ومرة أخرى التعفيش

في لعبة سحب المُعاش نحو التاريخ الأبعد، التي تبدع فيها الدراما السورية، يتم أيضاً تعفيش مفردات وقيم وقلبها ووضعها في سياقات أخرى لقلب السرديات. تتناول الباحثة إيمّا أوبان بولتنسكي في مقالٍ لها، معاني مفردة «حرائر»، وتتناول مسلسل الحرائر الذي أنتجته شركة سيريانا المقرّبة من النظام عام 2015، لتحلل كيف يتم قلب المدلولات والاستيلاء عليها لإبعادها عن سياق استخدامها أثناء الثورة في بداياتها. سأترجم فيما يلي ما تقوله:

يدور السيناريو أثناء الحرب العالمية الأولى، وينتهي في اللحظة التي يبدأ فيها الانتداب الفرنسي. ويتمحور حول عدة شخصيات نسائية حقيقية ومتخيلّة، من بينهنّ ماري عجمي، النسوية السورية الشهيرة التي أسست في سنوات العشرينات نادياً أدبياً، وكذلك نازك العابد، النسوية المعروفة بمعارضتها للفرنسيين وبقيادتها لوحدة ممرضات في الجيش العربي في معركة ميسلون. بتتبعه لمصير هؤلاء النساء الحرائر، يتبنى المسلسل رطانةً نسويةً ناقدةً للمجتمع البطريركي السوري، والمستهدف على وجه الأخص مجتمعاً تقليدياً سنياً، متخيلاً إلى حدٍّ بعيد وفق تهويماتٍ معينة، ويتجسّد في شخص تاجرٍ دمشقي لا يتورّع عن نهب قريبته ويجبر طفلة يتيمة على الزواج به، أو في شخصية باشا يعيش في قصرٍ يتحكم فيه بحريمه وجواريه. تنتفض بطلات المسلسل النسويات ضد هذا الظلم، وتنتهي معركتهنّ بالتماهي مع النضال الوطني ضد الانتداب الفرنسي. في الحلقة 29 يتظاهرن ضد الفرنسيين من أجل «سوريا حرّة»، حيث تخاطب نازك العابد ممثلاً عن الحكومة الفرنسية لتقول: «لدينا نظام، وقانون وجيش لحمايتنا ولنا سيادتنا. لسنا بحاجةٍ لانتدابٍ فرنسي لينجز لنا هذا»، وتحضّ ماري عجمي النسوةَ المستعدات للتظاهر بقولها «أيام الخوف راحت»، وتهتف المتظاهرات: «فرنساوي برا برا سوريا حرة حرة». تبدو مقولة «أيام الخوف راحت» وكأنها صدىً لـ«سقطت جدران الخوف» لعام 2011، بل إن كثيراً من الإحالات فيها «إسقاطات» بعيدة زمنياً لما يحدث في البلاد منذ عام 2011. تبدو نساء دمشق «الحرائر»، عام 1920 تحت حكم الملك فيصل، وكأنهنّ يساندن حكم بشار الأسد باختزالٍ زمنيٍّ تاريخي، حين يتبنيّنَ الرطانة المعادية للغرب ولفرنسا. وربما تعود إلى بسيمة (تلعب دورها سلاف فواخرجي)، والتي تمثل «المرأة العادية» السورية، ربما تعود إليها الوظيفة الأورويلية بامتياز، وظيفة «تحوّلية الماضي» (أي قابليته للتغير والتحويل)، والتي تبدو في حالتنا هذه من خلال إعادة كتابة التاريخ الحالي عبر الحلول في لسان الماضي. يختار المخرج باسل الخطيب أن تأخذ بسيمة إطار الكاميرا كله في عدة لقطات، وهي دامعةٌ تهتف ضد سلطات الانتداب ما هتفه ملايين السوريين عام 2011: «سوريّا حرّة». اللقطة التي تحتل سلاف فواخرجي إطارها كاملاً تخطف البصر: من يصرخ هاتفاً؟ بسيمة أم سلاف فواخرجي؟ هل نحن في عام 1920 أم في عام 2015؟ ما الهدف من هذا القلب لكلمة «حرّة» إن لم يكن تغييرها وقلبها للتمكن من إخضاعها؟ علينا أن نضيف أن مسعى المخرج في كيفية إظهار أجساد «الحرائر» يكشف أيضاً وجهة نظره في الأحداث السياسية الجارية في البلد: شعور طويلة متماوجة تصل إلى خصور النساء، أو مقصوصة سافرة في حالة ماري عجمي ونازك العابد، النموذج الأقدم للنساء الحداثيات، بملابس لطيفة ووجوه ممكيجة بإتقان، ويتوجهنَ غالباً إلى الكاميرا وكأنهنَّ يستدعينَ المشاهد مباشرة ويشركنه في تساؤلاتهنّ... إلخ. والتضاد مع الفيديوهات التي كانت تصدر لـ«الحرائر» في ثورة عام 2011 ملفت، كانت الوجوه في هذه الأخيرة مخبأة والعيون كذلك، والشعور محجّبة والثياب متقشفة إلى حد بعيد.

الوطن إذاً، كما «عشناه» في المسلسلات السورية، قيمةٌ مجردةٌ مطلقةٌ لا تتصل بالضرورة مع المواطن، وقيمةٌ تتّصل مع الصمود بمعنى الجمود. هذا النمط المبهم والتذنيبي من تمثيل الوطن أتاح للمسلسلات، في ظل الحدث السوري الكبير، أن تنتج خطاباً شارحاً للواقع دون شرح أي شيء. مرونة المسلسلات المُنتَجَة داخل سوريا، في إبقاء كل شيءٍ هلامياً حول علاقة الوطن بالمواطن، هذه المرونة وجدت في تطور مآلات الاحتجاجات الشعبية المعقدة  بعد العام 2012، وخاصةً بِدءاً من العام 2013، فرصةً لصوغ مروية مرتاحة وأكثر جدية عن قابيل وهابيل كتمثيل للثورة، ولم تعد بحاجة لتهريج عامي 2011 و2012. التهريجُ المباشر في تمثيل الواقع كان متوازياً مع اضطراب أجهزة الدولة في السيطرة على انتفاضة شعبية مفاجِئة وبدأت تتسع، وتراجعُ التهريج وبِدءُ خطاب «تدمير البلد» و«قابيل وهابيل» و«ضبّ الشناتي» كان دليلاً على إمساك الأجهزة الأمنية والعسكرية بزمام الوضع في البلد، وإعطاء نَفَسٍ لمروياتٍ يستمدها مباشرةً من قراءة موازين القوى على الأرض.  

يبقى أن نعرف ما هو السوري حقاً في الدراما التلفزيونية السورية الحالية، خارج المسلسلات التاريخية وخارج مسلسلات الندب على الزمن الرديء. ربما نجد بعض عناصر الإجابة في مسلسلات الإنتاج العربي المشترك: أفراد (ذكور غالباً) يحملون في سيمائهم ولغتهم الجسدية اعتزازاً ما بسورية موجودة في مِخيالٍ ما، ينطقون العربية الفصحى في المسلسلات التاريخية بتمكُّنٍ ملفت نسبةً لنظرائهم من جنسياتٍ عربيةٍ أخرى؛ تحمل حناجرهم بقايا تدريبٍ تقنيٍّ متين استُكمِلَ في مؤسسةٍ عامّة أسسها وطنيون سوريون يوماً ما، هي المعهد العالي للفنون المسرحية، ويستعيدون هذا التكوين كموضع فخرٍ ماضٍ في مقابلاتهم الإعلامية، ماضٍ لا يشبه حياتهم ومُقيّداتها الحالية.