وقفة مع ماضي مسارات السياسة في سوريا

 

 يدفع حجم الكارثة التي حلّت بالسوريين إلى التساؤل عن جذورها، ونبش الماضي لفهم مسار الأحداث الذي أخذته السياسة في سوريا حتى وصلت إلى هذا الواقع. أحاول في هذه الوقفة العودة إلى القرن الماضي، متعرضاً إلى بعض البدائل المحتملة لتطور الدولة السورية بعد الاستقلال في إطار مُقارَن. ودون إنكار المعالم الخاصة لأي دولة، يُكسِب تشابهُ تحدّيات التحديث السياسية والاقتصادية في دول ما بعد الاستعمار المنهجَ المُقارَن فائدة في استيعاب بعض المسارات التي كانت ممكنة للحالة السورية. وتتكامل هذه المحاولة التي تركّز على الاقتصاد السياسي، مع مقاربات أخرى تناولت الموضوع على هذا المنبر من زوايا الاجتماع السياسي المحلي ومسألة الشرعية في دول ما بعد الاستعمار.

ومع استحالة الإحاطة بكل المسارات المحتملة، تناقش الورقة مسارات الديمقراطية، والتسلطية اليمينية والتسلطية اليسارية، بناءً على البنى الاقتصادية ومدى تطوّر الجهاز البيروقراطي في العقدين الأولين للدولة السورية. فنتعرّض لأسباب تَعثُّر مسار الديمقراطية ضمن شروط تحدّي التحديث الاقتصادي في أجواء الحرب الباردة في العقود الأولى بعد الاستقلال. ثمّ نتناول فُرَصَ قيام نظام تسلّطي يميني وبنيته بالإضافة إلى بعض توابعه المحتملة. أخيراً، نناقش خيار التسلّط اليساري، مع التعرّض لأسباب صعوده ونجاحه في الاستيلاء على السلطة في ظلّ التجاذب المديني-الريفي الأساسي في فهم تحوّلات السياسة السورية. 

بعد عقود طويلة من حكم الأسديين، لعلّ في تَلمُّس بدائل لمسارات السياسة في الماضي تمريناً تاريخياً يسلّط الضوء على ديناميات السياسة السورية وكوامنها، ومعيناً في تكوين سياساتنا التحررية. 

الديمقراطية الليبرالية وتحدّي التحديث الاقتصادي

سيطرت على الحكم في سوريا في البداية نخبة مدينية، تحدّرت من طبقة كبار ملاك الأراضي وطلائع البرجوازية، الذين تطابقت رؤيتهم السياسية مع مصالحهم الاقتصادية في إنهاء الاستعمار1، ومَثّلَهم سياسياً الحزب الوطني وحزب الشعب. وكان النظام السياسي برلمانياً ديمقراطياً، وإن كان متعثراً في إجراءاته. فشرط الاقتراع السري مثلاً لم يتم تطبيقه حتى انتخابات 1954، وذلك في بلد سادت الإقطاعيات والزعامات التقليدية كثيراً من مناطقه. ولم تنقطع تدخلات الجيش في الشأن السياسي ضمن فترات الحكم المدني من بعد الانقلاب الأوّل الذي مهدت له نتائج حرب 1948.

شهدت سوريا نمواً اقتصادياً ملحوظاً بعد الحرب العالمية الثانية، ونما دور الدولة في الخمسينيات، مع تأميم شركات الكهرباء والتبغ والسكك الحديدية الفرنسية وإصدار النقد السوري. وبرزت صناعة وطنية واعدة تعززت مع تطبيق السياسة الحمائية الجمركية سنة 1949. وبقي الاقتصاد ذا توجه ليبرالي في أغلب جوانبه حتى عام 19582.

بحسب تقرير البنك الدولي عن التنمية في سوريا، الصادر عام 1955، كانت حصة القطاع الزراعي من الناتج القومي 45 - 50 بالمئة، وتراجعت الحصة إلى 35 - 40 بالمئة في 1962. وكان ثلثا السكان يعتمدون مباشرة على الزراعة كمصدر للدخل، فيما كان نصف القوة العاملة يعمل في القطاع الزراعي في عام 19603، تقرير البنك الدولي (1963).

وبلغ القطاع الصناعي 12 - 15 بالمئة من الدخل القومي، وهيمنت الورش على المنشآت الصناعية، فكانت حصة المنشآت التي يعمل فيها 50 عاملاً فأكثر لا تتجاوز 5 بالمئة من مجموع القوة العاملة في القطاع الصناعي الإنتاجي، وذلك بحسب المسح الصناعي سنة 19604. فالاقتصاد السوري، مع كل التقدم الذي أحرزه ما قبل 1963، لم يتجاوز هيمنة القطاع الزراعي عليه.

وقد اتسم الاقتصاد بتفاوت ملحوظ في توزيع الثروات، فتركّزت ملكية أهم قطاع فيه بيد قلة من كبار الملّاك الذين تملّكوا نصف مجموع الأراضي. وتركّزت الإقطاعيات الكبيرة في حلب والجزيرة وحمص وحماة، وهي المحافظات التي تشكل نحو 70 بالمئة من مساحة الأراضي المزروعة. بينما حصل أكبر 2 % و20 % من المشتغلين في الزراعة، على 50 % و75 % تباعاً من مجموع الدخل الزراعي5. تقديريّاً، كان 50 % من المزارعين مع العاملين وعوائلهم لا يملكون أرضاً، وعاش أغلبهم على دخل تجاوز بقليل حد الكفاف6. وحاز كبار ملاك الأراضي على وجود قوي في البرلمان، فمثلاً، كانت نسبتهم 25 %، وتصبح النسبة 42% مع إضافة مقاعد قادة العشائر، وذلك في مقاعد برلمان عام 19547.

مع الاختراق الرأسمالي ونمو الحراك التنظيمي الشعبي والمد اليساري في السياسة والجيش، بدأت النخبة المحافظة المدينية تواجه تحدي التحديث الاقتصادي مصحوباً ببدايات صراع طبقي ومسألة تحديد دور الدولة في الاقتصاد. وإن كان لا يمكن إنكار إنجازات العهد التقليدي، من الحيوية السياسية والاجتماعية والتوسّع في التعليم والتطور الاقتصادي النسبي، إلا أنه باستثناء الأرستقراطي الأحمر خالد العظم ذي البرنامج الديمقراطي الاجتماعي8، لم يأت ممثلو النخبة المدينية باستراتيجية واضحة لحل تناقضات تحدّي التنمية في إدماج الطبقات الشعبية، خصوصاً في الأرياف، عبر تحسين ظروفهم المعيشية.

وهذا ما تجلّى في سنين هيمنتهم على البرلمان والحكومة 1946-19549، ما أدى إلى ضعف إيمان السوريين بجدوى نظام النخبة التقليدية، كما ظهر في نسب إقبال الناخبين على التصويت في الانتخابات، إذ تراجعت من 65 % في 1947، إلى 40 % في 1954، و28 % في 196110.

تكثر المرويات عن نزاهة العديد من شخصيات النخبة المدينية، مثل القوتلي والقدسي، والتزامها بأخلاق الخدمة العامة. في المقابل، لم تترجم سياستهم في الحكم إلى توزيع أعدل للثروات، ولم تتحدَّ النظام التقليدي بشكل جدّي. فحكم النخبة المدينية قبل نهايته مع سقوط حكومة فارس الخوري 1955، لم يستطع الضغط بشكل فعلي على النخبة الاقتصادية من أجل توزيع أعدل للملكية الزراعية أو حماية الفلاحين -أغلبية السكان- من التعسف «الإقطاعي» الوارد بكثرة في التاريخ الشفوي في كتاب المؤرخ عبد الله حنا؛ الفلاحون وملّاك الأرض.

عالمياً، لم يحدث أن جرى انتقال اقتصادي من اقتصاد أولي زراعي أو استخراجي إلى اقتصاد يغلب عليه القطاع الحديث في ظل نظام سياسي ديمقراطي، خلا استثناءات نادرة، فعملية التنمية، خصوصاً في مرحلتها الأولى (مرحلة تجاوز هيمنة القطاع الزراعي على الاقتصاد من قبيل تضاؤل حصته من مجموع القوة العاملة) تسبق عادة التحول الديمقراطي، وانطبق هذا تاريخياً على الدول الغربية المتقدمة11.

ويعود ذلك إلى أن التحول الاقتصادي يتطلب تفكيك البنى السابقة للإنتاج، كالإقطاعيات وغيرها من البنى الزراعية التقليدية، وتحويل الفائض البشري أوالمالي أو كليهما، من القطاع الزراعي إلى القطاع الحديث. وبشكل موازٍ، إقصاء أو ترويض القوى السياسية المقاومة للتغيير، وإدارة الصراع على توزيع الدخل. وهو ما يصعب حدوثه ضمن نظام ديمقراطي، فلا سبيل مثلاً إلى كسر الإقطاعيات ودمجها سريعاً في الاقتصاد الحديث إذا كان البرلمان والحكومة بيد الإقطاعيين أنفسهم.

في أوروبا الغربية، جرى توسيع حق الانتخاب للذكور، وتحسين إجراءات العملية الانتخابية (مثل سرية الاقتراع وإزالة شروط الملكية والشروط الضرائبية لحق الانتخاب) تدريجياً، حتى وصل إلى في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين ليعطي حقّ الانتخاب للطبقة العاملة ويشمل تدريجياً الجميع، وذلك بعد عقود من الثورات السياسية المتلاحقة والتحول الصناعي في ظل أنظمة ليبرالية، كان فيها هامش واسع للحقوق الفردية دون أن تتضمن حق الانتخاب لكل فئات المجتمع12.

وكما كان الحال مع الدول الصناعية، لم تسلك عموماً دول ما بعد الاستعمار، في العقود الأولى بعد الحرب العالمية الثانية، الطريق الديمقراطي وهي تعالج المعضلة الأولى للتحوّل الرأسمالي خاصةً أنها لم تملك الوقت الطويل الذي كان متوفراً للدول الغربية لتحديث البنية الاقتصادية. فالتحوّل الديمقراطي في أميركا اللاتينية وآسيا وإفريقيا، بدأ في ثمانينات القرن الماضي، بعد انخفاض حصة العمالة الزراعية في أغلب الدولة المتحوّلة إلى الديمقراطية.

وطبعاً فإن الحديث هنا ليس تأييداً لتفسيرات الحتمية الاقتصادية حول الانتقال الديمقراطي، التي ستتجاوزها تجارب عدد من الدول في أميركا اللاتينية وغيرها في العقود الأخيرة من القرن العشرين، وإنما يتعلق الحديث بالضغوط التي تفرزها عملية التحديث على فرص استقرار النظام السياسي الديمقراطي في المرحلة التنموية الأولية، في ظل الحرب الباردة واستقطاباتها التي رسخت فرص الحكم العسكري في بلدان العالم الثالث13. سوريّاً، كان للدعم المالي الإقليمي الذي بلغ أوجه إبان المواجهة مع اسرائيل في السبعينيات وأوائل الثمانينيات، ومن ثمّ توسّع تصدير النفط السوري، دورهما أيضاً في ترسيخ الاستبداد، مع تمكين استقلال موارد الدولة الاقتصادية عن النشاط الاقتصادي الداخلي.

 أخيراً، أضعف فرص بقاء الحكم الديمقراطي أيضاً شيوع التناحر بين سياسيي النخبة المدينية في ظل التهديد الانقلابي. ومعروفة فصول التنازع بين الناظرين شرقاً إلى العراق (حزب الشعب وقسم من الحزب الوطني كميخائيل إليان)، والناظرين غرباً إلى مصر أو جنوباً إلى السعودية (القوتلي ومحازبوه)، واستمرت المناكفات بين السياسيين المدنيين، بين القدسي والعظم مثلاً، وبين الإخوان المسلمين وجماعة الحوراني، التي وصلت إلى استقالة وزرائهم في آخر حكومات عهد الانفصال، ما أضعف الحكم المدني وخلق فراغاً سياسياً قبل انقلاب البعث14

مسار التسلطية اليمينية

مع ضعف فرص استقرار الخيار الديمقراطي، كانj أحد المسارات الممكنة في سوريا قيام نظام تسلطي يميني. وبحكم درجة تطوّرالجهاز البيروقراطي السوري وبنية الاقتصاد وعلاقات الإنتاج، كان ممكناً لهذا النموذج أن يتموضع بين التسلطية الأوليغارشية ونموذج التسلطية البيروقراطية (bureaucratic authoritarianism) الأكثر تقدّماً، والذي أطّره غويلرمو أودونيل لوصف أنظمة دول أميركا اللاتينية في ستينيات القرن العشرين.

ووفق النموذج السوري اليميني الذي تحافظ فيه النخب التقليدية على مصالحها، يمكن أن يجري التحديث الاقتصادي على يد جهاز بيروقراطي مع حماية مصالح النخب التقليدية، من كبار ملاك الأراضي وبرجوازيين، المواكبة للتحوّل الرأسمالي، بعون الجهاز العنفي للدولة لاحتواء أو استبعاد الطبقات الشعبية عن تهديد مكاسب النخبة المهيمنة، وهو ما يتطلب سيطرة أو ارتباط مصالح النخبة التقليدية مع الجيش.

 في ظل هذا النوع من الأنظمة، يتم التحديث الاقتصادي بوتيرة أضعف وأبطأ من الدول التي حطمت القوة السياسية والاقتصادية للملكيات الزراعية، وأجرت إصلاحاً زراعياً جذرياً كاليابان وكوريا الجنوبية وتايوان15، بحسب ما أفادت دراسة كريستبول كاي المقارنة للأداء الاقتصادي لأميركا اللاتينية وشرق آسيا16.

نعود إلى نموذج اليمين التسلطي في سوريا، ومع شيوع فكرة أنّ أبناء الأقليات كانوا أكثرية بين ضباط الجيش السوري بعد الاستقلال، وبالتالي كانوا على تناقض مع طائفة وخلفية النخبة المدينية، ممّا يضعف فرصة دعم الجيش لهذه النخبة. إلا أنّ هذه الفكرة غير مدعومة بالحقائق17، وذلك سواءً بالنظر إلى خلفية الضباط من خريجي الكلية الحربية قبل الاستقلال، أو الذين قاموا بالانقلابات الناجحة، أو قادة الكتل العسكرية الوازنة قبل انقلاب البعث. وكان تعيين شوكت شقير وعبد الكريم زهر الدين الدرزيين في رئاسة الأركان من جانب الشيشكلي والنحلاوي تباعاً، من باب أنهما كانا من الأقليات بدون قاعدة قوية في الجيش.

لم تنتفِ إمكانية قيام انقلاب يميني على يد ضباط من الأقليات، وهذا ما تمّ بالفعل في مؤامرة الانقلاب التي كان في قيادتها الضابطان العلويان المُسرّحان غسان جديد ومحمد معروف، والمرتبطان بالعراق الملكي والحزب القومي السوري إبان المؤامرة العراقية 195618. تجدر الإشارة إلى أنه رغم تموضع الحزب القومي حينها في طرف الحلف اليميني في المنطقة، كان البرنامج الأساسي وموقف الحزب معادياً للإقطاع19، ممّا يعقّد من وسم الضابطين المذكورين باليمينية في هذه الجزئية.

نستطيع القول بأنّ كلّ محاولات الانقلاب الفاشلة والناجحة قبل نهاية عهد الشيشكلي كانت محسوبة على اليمين، بمعنى كونها محافظة اقتصادياً. أقرب شيء عرفته سوريا لنموذج التسلطية اليمينية كان نظام الشيشكلي، ومع أنّ علاقة الشيشكلي كانت سيئة مع النخبة المدينية التي أقصاها عن الحكم، إلا أن نظامه لم يُحدِث تعديلاً أساسياً لعلاقات الإنتاج، تخص الإقطاع مثلاً. وبرزت قوة الإقطاعيين في الدفاع عن مصالحهم في نجاحهم بالضغط على الحكم للتراجع عن أول محاولة للإصلاح الزراعي، والتي كانت محدودة سنة 195220. وباستثناء أحداث السويداء، كانت تسلطية الشيشكلي ليّنة مقارنة بتسلطية البعث، فهو لم يطرد ضباط الجيش التابعين لأكرم حوراني بعد خلافه معه، ولم يصل نظامه إلى المنحى الاستئصالي للحكم الذي شهدته سوريا بعد 1963.

بقي للشيشكليين حضور مؤثر في الجيش بعد إزاحة الشيشكلي، وجرت محاولة من جانب الرئيس شكري القوتلي، بمعونة رئيس الأركان توفيق نظام الدين، لإحلال ضباط شيشكليين في مواقع عسكرية مهمة، مع تهميش عبد الحميد السراج- الشيشكليُّ سابقاً- والضباط البعثيين21. من المغري التأمّل في المسارات المحتملة للأحداث لو نجحت تلك المحاولة في تحقيق غايتها، لكنّها فشلت، إذ عارضها رئيس الوزراء صبري العسلي الكاره للشيشكليين، ووزير الدفاع خالد العظم22، الذي لم يكن لديه الكثير من الودّ للقوتلي، الذي خسر أمامه في انتخابات رئاسة الجمهورية. وأنهى المحاولة عصيانٌ عسكري بقيادة ضباط بعثيين، وتم فرض قيادة عسكرية توافقية مع استبدال توفيق نظام الدين بعفيف البزري.

انحاز ضباط الجيش تصاعدياً إلى اليسار مع تعاظم المد الناصري وصعود الأحزاب اليسارية في الخمسينيات. ومع عدة مؤامرات انقلابية يمينية فاشلة، كالمؤامرة العراقية 1956 ومؤامرة ستون 1957، تسارعت موجات تسريح الضباط المرتبطين بالهاشميين وبالحزب القومي السوري الاجتماعي واليمين إجمالاً.

ومع ملاحظة انزياح السياسة والجيش عموماً في سوريا وقتها إلى اليسار، أصبحت كتلة الضباط الدمشقيين المرشح الأقوى لتكون أساس حكم عسكري مؤيد للطبقة المحافظة. كانت كتلة الضباط الشوام مؤلفة من ضباط غير متحزبين وذوي رتب عالية مقارنة بالبعثيين23. استقلالهم الحزبي وحِرَفيتهم جعلت هؤلاء الضباط أوفر حظاً في الحفاظ على مركز مهم في الجيش في فترة حكم عبد الناصر، مقارنةً بالضباط المتحزبين الذين تم تهميشهم. من ضباط هذه الكتلة، سيميل إلى اليسار القومي أكرم الديري، ومنها أيضاً جاء قادة انقلاب الانفصال عام 1961.

 تشكلت خلال فترة الانفصال مجموعة يمينية في الجيش، وبعد أشهر من انقلاب عبد الكريم النحلاوي الثاني المدفوع بحسابات سياسية عام 1962، شارك ضباط دمشقيون هذه المجموعة بمحاولة انقلابيةٍ -لا تخلو من التباس- بالتنسيق مع الجناح اليميني للسياسين في بداية عام 1963، ولكنّها أُحبطت، ومعها انتهت فرص النخب التقليدية في السيطرة على الحكم24.

هنا يجب ذكر ملاحظتين: الأولى؛ أضعفت مفاعيل الصراع مع إسرائيل ومواقف المنظومة الغربية من الصراع وقضية التسليح فرص استقرار النظام اليميني في سوريا برعاية المنظومة الغربية، خصوصاً مع تفكك الفريق اليميني، وضعف روابطه مع الجيش. ولفهم أهمية هذين المتغيرين، ومع الفوارق بين البلدين، تفيد المقارنة هنا مع الحالة الأردنية بعد رحيل الجنرال غلوب عام 1956.

الملاحظة الثانية؛ مع الاتفاق على رداءة تجارب الحكم العسكري العربي في عمومها، إلا أنّ التحول الاقتصادي الناجح في دول مثل كوريا الجنوبية وتايوان و«المعجزة البرازيلية» على سبيل المثال، تمّ في ظل قيادات جاءت من الجيش. كما تمّ الانتقال الديمقراطي بدون صراع دموي في أنظمة ذات خلفية عسكرية. طبعاً يُفهم هذا ضمن حيثيته التاريخية في أجواء الحرب الباردة، والمراد طرحه هو وجاهة عدم الاكتفاء بالخلفية العسكرية للأنظمة في تقييم أدائها.

مسار التسلطية الشعبية

شهدت الخمسينيات حضوراً أقوى للأحزاب اليسارية في البرلمان والحكومة، وتشريعات تقدمية لتوسيع حق العمال في الإضراب وحماية الفلاحين من الطرد التعسفي من الأراضي الاقطاعية مع دخولهم للحكومة. وانتُخب أكرم الحوراني رئيساً للبرلمان في 1957 خلفاً لناظم القدسي، في تلك الفترة، تراوح البديل «اليساري» في سوريا بين ثلاث تيارات: التيار البعثي، والتيار الناصري، والتيار الشيوعي.

 في العام 1957، أي بعد الاتفاقية الاقتصادية السوفياتية، ظهر طرفان يساريان قويان في المشهد السياسي السوري، فكان هناك تحالف رئيس الوزراء خالد العظم وشيشكليين اقتربوا من اليسار كأمين النفوري ورئيس الأركان عفيف البزري، ومن ورائهم الحزب الشيوعي ضد أكرم الحوراني والضباط البعثيين25. ومن المتداول أن حزب البعث دفع لتأجيل انتخابات البلدية أواخر عام 1957 تخوّفاً من التقدم الانتخابي للحزب الشيوعي26، كما تردد أيضاً بأنّ الدفع باتجاه الوحدة مع مصر كان لقطع الطريق أمام المد الشيوعي في سوريا. ولكن باستثناء ما قيل عن قرب عفيف البزري من الشيوعيين، لم يسجّل التاريخ السوري وجود تكتلٍ قويٍ للشيوعين في الجيش ولا انقلاباً بقيادتهم27، وقضت الوحدة مع مصر على فرص قيام محور يساريّ يدعمه الشيوعيون قائم على تحالف العظم والبزري ويسار الشيشكليين.

التيار الثاني كان التيار الناصري، إذ احتفظ ضباط ناصريون بوجود قوي في الجيش في عهد الانفصال، وقام الضابط الناصري جاسم علوان بمحاولته الانقلابية الأولى في عهد الانفصال. وكان لهم دور أساسي في انقلاب الثامن من آذار، فكانوا عوناً لضباط اللجنة العسكرية البعثية الأدنى رتبةً والمسرحين آنذاك من الجيش (سيطر حافظ الأسد على قاعدة الضمير الجوية مرتدياً ملابس مدنية!). بعد أشهر من انقلاب الثامن من آذار، تمت إزاحة التكتل الناصري من الجيش بعد تصفية بعضهم دموياً في أعقاب محاولة انقلاب جاسم علوان الثانية، وجرح وقُتل في هذه المواجهة المئات، منهم 27 ضابطاً انقلابياً سيقوا إلى محكمة ميدانية وأُعدموا في سابقة لم تحدث من قبل في المواجهات الانقلابية السورية28.

أدى مسير الأحداث إلى جعل التسلطية الشعبية البعثية البديل اليساري الذي استولى على الحكم. التسلطية الشعبية، وإن كانت حرفياً تُترجم التسلطية الشعبوية (populist authoritarianism)، هي نوع من الاستبداد اليساري الذي تتصف مؤسساته بأنها أقل تطوراً، وذات قيادة اعتباطية إذا ما قورنت بالأنظمة الشمولية التوتاليتارية كالاتحاد السوفياتي29.

يُهمَّش في هذا النمط القطاع الخاص، من دون استئصاله، على حساب دور أكبر للدولة في الاقتصاد، تحت شعار دعم الطبقات الشعبية ورعاية البرجوازية الصغرى. اتُّخذ هذا النمط كنموذج للحكم في عدد من الدول العربية بين خمسينيات وسبعينيات القرن الماضي30.

 وخاضت سوريا أول تجربة مع الحكم التسلطي الشعبي في عهد الوحدة مع مصر، فبُنيت أسس النظام البعثي على نظام عبد الناصر من إصلاح زراعي وتأميم وغيرها من القوانين «الاشتراكية»، بالإضافة إلى حظر الأحزاب وتغوّل جهاز المخابرات والإجراءات القمعية والتعسفية.

جدير بالذكر أنه مع كثرة موجات التسريح منذ الاستقلال في الجيش السوري، لم يشهد نظام الشيشكلي أو الانفصال الاستئصالية التي شهدها الجيش في عهد حكم اللجنة العسكرية التي شغل مركزها خمس ضباط متحدرين من الريف ومن الأقليات المذهبية31.

 وكما أشرنا أعلاه، بقي لأتباع الحوراني وجود في الجيش استخدموه لينقلبوا على الشيشكلي، كما احتفظ الناصريون بمناصب مهمة في ظل عهد الانفصال، مكّنتهم أيضاً من الانقلاب. في حين تمت كل محاولات الانقلاب الجدية في عهد البعث في الستينيات، ما خلا محاولة جاسم علوان، على يد ضباط بعثيين وبين أعضاء اللجنة العسكرية.

حِدّية استئصالية اللجنة العسكرية البعثية، كاستراتيجية لترسيخ السلطة مقارنةً بمن سبقها، تستحق التوقف. هل كان منبعها تعطش للسلطة لمن كان منبتهم من أقلية مهمّشة، ووجدوا أنفسهم على قمة هرم السلطة؟ أم كانت ثمرة لمنحى التعلّم من عهود الشيشكلي والوحدة والانفصال في أنّ الإبقاء على معارضين في الجيش خطر على استقرار النظام.

المقارنة مع استئصالية عملية ترسيخ السلطة في بعث العراق قد تُعيِنُ في الإجابة، فاستقرار حكمهم بعد دورات من الاستئصال والتصفية يدعم فرضية منحى التعلّم. ومع كون عصب السلطة هناك كان من التكريتيين32، من غير الممكن نفي عنصر العصبية في عملية ترسيخ السلطة، والذي سيكون له في أساسه الطائفي كمون تفجيري لمسار السياسية. ولكن، إن كان لتاريخٍ من التهميش دور في طابع الاستئصالية، فيبدو أنّه تهميش ذو ماهية اقتصادية اجتماعية وليست طائفية.

 لا يمكننا الادّعاء أنّ السنّة عموماً كانوا وقتها أقلية مهمّشة في العراق، من حيث ضعف التمثيل في النخب السياسية أو الاقتصادية، وكان الواقع على العكس من ذلك33. ما جمع انقلابيي البعث السوري والعراقي لم يكن التهميش الطائفي، وإنما كان التهميش الاقتصادي الاجتماعي، بمعنى مجيئهم من أصول متوسطة ومتواضعة تحدّرت من أرياف ومدن طرفية34.

استدراكاً، قد تجر هذه الملاحظة البعض إلى تفسير فشل الأنظمة العربية الثورية بالمنبت الطرفي لقادتها. إلا أن هذا العامل بمفرده لا يكفي. فهؤلاء القادة لم ينشأوا في عزلة عن المدينة و تيّاراتها. وكمثال لدولة ناجحة، فإنّ الجنرال بارك، مؤسس نهضة كوريا الجنوبية، وكثير من وزراء حكمه، أتوا من خلفية ريفية35، وذلك في دولة كانت نسبة سكان المدن فيها 15 % في نهاية الحرب العالمية الثانية. ومع غلبة الطابع الريفي على الدولة البعثية، كان الولاء والحفاظ على أمن النظام، وليس الكفاءة، المعيار الأهم في اختيار المسؤولين، سواء جاؤوا من أصول ريفية أو مدينية.

ويفسر ستيفن هايدمان36 وورايموند هينبوش37 الانزلاق باتجاه الحكم التسلطي الشعبي في سوريا بجهود النخبة المدينية للحفاظ على مصالحها الاقتصادية، مع إقصاء الطبقات الشعبية من قطف ثمار التنمية.

عموماً، بينما كان النظام التقليدي مُمثِّلاً لمصالح النخبة المدينية، ونمت في عهده المدن الرئيسية، كان للإقطاع والتفاوت الواسع بين المدينة والريف دور كبير في التحوّلات السياسية السورية، بشكل مشابه لصعود الأنظمة الثورية في مصر والعراق والجزائر38. فمثلاً في عام 1960، حين كان نصف السكان أمّياً في المناطق المدينية، كانت نسبة الأمية في المناطق الريفية 77 %. وينسحب هذا التفاوت بشكل أوسع على توفّر الخدمات الصحية والمرافق العامّة39.

ارتكز حكم البعث في عقوده الأولى على الريف كقاعدة شعبية في ترسيخ سلطته. وبينما كانت المدن السورية تشهد اضطرابات ومواجهات مع النظام البعثي في الستينيات والسبعينيات والثمانينيات، لم يشهد الريف السوري، بعد أن كان سابقاً مركزاً لكثير من الاحتجاجات، تحرّكاً معارضاً يُذكر لنظام البعث حتى 2011، باستثناء منطقة ريف إدلب الغربي في فترة «الأحداث» في أوائل الثمانينيات40. تُستثنى أيضاً انتفاضة القامشلي 2004 مع صبغتها الإثنية.

وغلب طابع ترييف المدينة على نموذج الحكم البعثي، ما يستدعي مقولة كارل ماركس: «التاريخ الحديث هو عملية تمدين الريف، و ليس كما كان في العصور القديمة، ترييف المدينة». ومع ميل هذا النموذج يميناً في منتصف الثمانينيات، تَرَاجَعَ دور الدولة، وانتهينا إلى مدن مشوّهة مقموعة، تهيمن على نشاطها الاقتصادي برجوازية بيروقراطية (رجال أعمال أقرباء أو شركاء للمسؤولين الأمنيين والحكوميين). في حين ارتفع الفقر في المناطق الريفية وتصاعد تهميشها السياسي والاقتصادي.

خاتمة

كانت تلك محاولة لاستقراء بعض المسارات الممكنة للسياسة السورية، لتفتح باب النقاش على ما كان ممكنّاً في تطوّر الدولة السوريّة. في ثنايا هذا الاستقراء نجد أنّ المسار الأسدي لم يكن حتمياً. وقد ساهمت حداثة الكيان السوري وهشاشة التقليد المؤسساتي السياسي والعسكري في سيولة المشهد السياسي وتكرار دورات التفكك وإعادة التشكل. ومع تحديات التحديث الاقتصادي، خصوصاً في أجواء الاستقطاب الدولي والإقليمي، كان استقرار النظام الديمقراطي صعباً. 

وجاء سقوط هيمنة النخبة اليمينية بسبب غياب المشروع السياسي لدمج الطبقات الشعبية في عملية التنمية لدى هذه النخبة، بالإضافة إلى تنازعها الشديد وانعدام سيطرتها أو تحالفها مع الجهاز العنفي. هذه العوامل، مرفقةً بالتناقض الريفي-المديني، سَهَّلَت صعود الخيار اليساري التسلّطي على يدّ ضباط من خلفية ريفية، اتخذوا من الريف قاعدةً شعبيةً لحكمهم، وكان عماد سلطتهم مبنياً على عصبوية متصاعدة، رافقتها استئصالية وقمع غير مسبوقين. وانتهى هذا الخيار في عقوده الأخيرة إلى نظام إقطاعٍ أمني.

كان عهد ما قبل البعث قصيراً، وشغل بقعةً جغرافيةً مكشوفةً لعصف زوابع خارجية. ما يُصعِّب تخمين مآله لو كان مدفوعاً بديناميات داخلية أقل تداخلاً مع الخارج. مع كل مثالبه، تبقى لذلك العهد فضيلة أنه ترك، بحرّياته وحراكه وضعف تسلطه، مسارات التغيير واسعة ومفتوحة على احتمالات لعلّ منها كان الوصول إلى دولةٍ يعيش فيها السوريون بشيء من الحرية والكرامة. في حين زجّت محاولةُ الأسديين تأبيد المسار باتجاه التوريث السياسةَ في مسار شبه إجباري ملغّم بالمزيد من العنف والقمع والنزاعات الأهلية .