يوم فقدنا الارتباط بأشيائنا القديمة

 

مع كل نزوح نترك جزءاً من حياتنا خلف ظهورنا، لا نستطيع الالتفات إلى الوراء، لأن خلفنا ما يمكن أن يوقف كل قرارات الرحيل التي اتخذناها وتراجعنا عنها لمرات كثيرة. خلال نزوحك، لا تسمح لعلاقة ثياب أو مقبض باب أن يؤجلا ما عزمت عليه في لحظة شجاعة أو خوف.

لا نعرف حدوداً فاصلة بين الموت والموت، هناك فقط موت أقلّ؛ هكذا تخاطب نفسك وأنت ترجو زوجتك أن تحمل معها ما خفّ وزنه دون أن تكمل. لم يعد هنالك وزن معنوي لأشيائك بعد الرحيل الأول، تُعزّي نفسك وأنت تحاول أن تُظهِرَ خشانةً تُخفي وراءها قلب طفل.

ليس في المدينة نازحٌ للمرة الأولى، جميعنا كرّرناه مراراً. أكثرنا حظاً من خاض التجربة لمرات قليلة، ولكلّ وقت أذانه وسِماته وتجاربه، التي تختلف تبعاً للجغرافيا والمناخ وأولاد الحلال.

في الأيام الأولى التي شهدت بدء استخدام المروحي الرشاش في حي مساكن هنانو في حلب، كان نصيب بيتنا أن يكون من أوائل المصابين في سجلات الضحايا. كنتُ الابن المتبقي لرجل مقعد وامرأة لم تنسَ يوماً صلاة الفجر والتسبيح، ما أكسب وجهها نوراً يغطي على سنوات عمرها التي جاوزت الخامسة والستين. يومها قررت إجبارهم على الرحيل إلى مسقط رأسنا في جبل الزاوية.

مراراً حاولتُ أن لا أندم على هذا القرار، دون جدوى، فصوت بكاء والدي الذي لم يعرف الدموع يوماً كان يصل إلى الشارع الرئيسي وهو يرفض بإصرار ما نقوم به. رجوته، قبلتُ قدميه، مسحتُ رأسه الذي غزاه الشيب بيدي، احتضنته كطفل، وغمرت وجهي في صدره كطفل أيضاً. أمام كل هذا الحب الذي كان يحيطني به، كان لا بد أن يقبل بالقرار على مضض، وقبل أن يمضي إلى سيارة الأجرة، التي ستقلّه ووالدتي وأخي الذي لم نعد نعرف له مكاناً بعدها بسنتين، هَمَسَ في أذني أنه ذاهبٌ إلى الموت، وأنه كان لا بدّ لي أن أوافقه على أن يموت على فراشه. لوَّحَ بيده لمنزله، ثم غادر ليتركني وحيداً.

ما الذي ستحمله سيارة أجرة من أثاث. تجولتُ في أرجاء الغرفة أملاً في معرفة الأشياء التي اصطحبتها أمي معها في رحيلها؛ سريرها المقابل للنافذة ما زال في مكانه، عليه غطاء دفعت ثمنه لسيدة من رفيقاتها خلال رحلة الحج، وكان لونه يميل إلى الخضرة وعليه خطوط حمراء اللون. شرشفٌ أبيضُ كانت تباهي به جاراتها كل خميس وهي تنشره على حبل الغسيل في الشمس، وتراقب الضوء من خلاله. فراش والدي أيضاً في مكانه يقابل التلفاز الذي لم يفارق نشرات الأخبار إلا حين يلجأ إلى الشرفة، ليرتاح الجهاز العتيق من وجوه الساسة وأخبار الحرب. الثلاجة والغسّالة وفرن الغاز ذي الرؤوس الأربعة. برميلٌ من الخشب كانت أمي تستخدمه لحفظ البرغل، فنحن أبناء القرى ومرض السكري نخشى من الأرزّ في أطباقنا. غرفة الضيوف الكحلية التي تزينها نجوم ذهبية اللون من ماركة «مارينا». سجّاد، سجّادٌ بمختلف الأطوال والأحجام. مَحملٌ يضمّ الزجاج المُخبّأ للضيوف، وعليه فرش الصوف وعدد من اللحف الصوفية أيضاً، تُجلّله الحجة بغطاء أبيض طرزت عليه أحصنة متقابلة. آياتٌ من القرآن الكريم مصنوعة من الخرز ضمن براويز بنية اللون. ساعةُ حائط رُسمت عليها خريطة فلسطين، كنتُ قد حصلت عليها من مسابقة في اللغة العربية في مدرسة ناصر الدين، واحتفظت أمي بها على جدران غرفتها. روزنامة لامرأة أُميّة نسيت أن تقطع أوراق أيامها، وأبقتها لأنها تحمل صورة المسجد الأقصى. أكياسٌ من دخان والدي «كابتن بلاك»، ومكحلة حجرية، وبضع حبّات من طوق عقيق فرطه الزمن وجمعته أمي في فنجان لتعيد ترتيبه قبل أن تنساه، وخزانة أخي الحديدية الزرقاء التي لا يزيد طولها عن نصف متر، وكانت تجمع صورنا وأوراقنا المهمة. كل ذلك كان في مكانه، سألت نفسي: ما الذي أخذته الحجة معها إذن في رحيلها؟ نسيتُ أن أخبركم أيضاً عن أحد عشر غطاء كانت قد قررت إعطاء واحد منها لكل واحد منّا عند زواجه، وبالرغم من زواج إخوتي كلهم باستثنائي وقتها، إلا أن أياً لم يحصل على غطائه؛ كانت تريد أن تقول لنا إننا سنبقى لها دائماً.

أمضيتُ في المنزل أياماً قبل أن أنتقل إلى منزلي الآخر القريب من مكان عملي، كنتُ قد جهزته سابقاً لحبّ لم يكتمل. كان أثاثه جديداً ولا يحمل شيئاً من الذاكرة، وكان مؤهلاً ليفعل لولا أن ذلك لم يتمّ. في كل مرة كنتُ أزور منزل أمي القديم، كنتُ أشعر بالخوف والوحشة، فأهرب من المكان مصطحباً بعض الكتب من مكتبتي التي آثرتُ بقاءها في مكانها.

خلال موجة النزوح الأولى لعائلات حمصية إلى حلب، نقلتُ معظم أثاث أمي إليهم، حتى خلا البيت إلا من غرفة الضيوف وفراش والدي وسرير الحجة ومكتبتي. عند سؤالها لي عن المنزل، كنتُ أخبرها أن كل شيء ما يزال في مكانه، وأني أعتني بشتلات الحبق التي تركتها. كنت أكذبُ طبعاً، فقد يبس الحبق، ويبس البيتُ وسكّانه.

قبل زواجي بأيام، اشتريتُ أثاثاً جديداً لبيتي الجديد، وأخذتُ غرفة الضيوف من بيتنا القديم أيضاً. ساعات فقط كانت الفاصل بين دخولي الأخير إلى بيت أمي واستهدافه بصاروخ دمّرَ البناء بأكمله. لا تعرف أمي حتى اللحظة أن أشياءها، التي بكت عليها يوم تهدم المنزل، كانت قد نزحت قبل ذلك إلى بيوت كثيرة.

أيامٌ فقط قبل أن أحمل حقيبة الثياب الخاصة بي وزوجتي لنلحق بوالدتي إلى القرية. كان بيت عرسنا قد استُهدف لمرتين خلال خمسة عشر يوماً، وباتت حلب وقتها في بداية العام 2014 مدينة شبه خاوية. أمام إصرار زوجتي، عدتُ لأخذ أثاث المنزل الذي تكسر معظمه خلال عملية النقل. تركتُ بعضاً منه في المكان، واصطحبتُ ما وسعته الشاحنة. حين دخلت إلى بيتي كان الباب مفتوحاً، السارق لم يأخذ سوى «ماكينة الكبة وثوب الزفاف»؛ ضحكتُ وأنا أتخيل أن مقتحم المنزل في غيابي كان عريساً يحب بطنه، ويرجو لفتاته أن تُزَّفَ بثوب أبيض.

عشرة أشهر أمضيتها في قريتي قبل العودة إلى حلب. حين عدنا، كانت طفلتي الصغيرة قد زادت من أعباء النزوح الذي فرضه هذه المرة غياب فرص العمل. تركتُ سرير طفلتي وأثاث منزلي واكتفيت بحقيبة الثياب، وكلّما غفلت زوجتي وهي تبكي نزوحها المتجدد، كنتُ أسرق قطعة من الثياب وأرميها في الخزانة من جديد.

في حلب هذه المرة لم أكن أملك أثاثاً، أحد أصدقائي أعارني بيتاً بأثاث قديم. لم يكن فيه سرير، وكان لون الأثاث أخضر. منذ طفولتي وأنا أكره اللون الأخضر، لا أعرف السبب ولكني كنت أشعر بالاختناق كلما نظرت إليه. رافقني «المدّ العربي» الأخضر طيلة سنة كاملة لم أفلح مرة بالنوم مرتاحاً عليه، أما باقي الأشياء فلم يكن هناك داعٍ لها، إذ لا كهرباء للثلاجة أو الغسيل، وكلّ ما يتحمله خط الأمبير كان الأضواء وشاحن الهاتف المحمول والتلفاز الذي نادراً ما كنا نشغله، إضافة إلى مروحة صغيرة في صيف حلب القاسي.

مع بدء الحصار وقرارنا بالخروج من حلب، كنت أشعر، عكس معظم أصدقائي من أبناء المدينة، بثقل أقلَّ كلما نظرت في أرجاء المنزل الذي سأتركه، والذي لم أكن قد بنيتُ مع أي من أشيائه علاقة وطيدة. كذلك حال زوجتي، التي تركت كل شيء في مكانه دون أن تلتفت، وحملت حقيبة واحدة، فيما كان نصيبي أن أحمل طفلتي وحقيبتها، لندخل الأراضي التركية بداية العام 2016.

في تركيا بدأنا ببناء أثاث جديد، كل ما فيه يرتبط بحنين إلى ما تركناه وأحببناه؛ الألوان التي حاكينا بها منزلنا القديم، السرير والأغطية وأواني المطبخ ومعداته، وقبل أن تكتمل العلاقة مع أشيائنا الجديدة كان لا بد لنا من النزوح مجدداً إلى أوروبا. بحجة الوزن الزائد، تركنا معظم الثياب في اسطنبول عند أحد أصدقائي وغادرنا المكان. هنا في فرنسا، كل ما نملكه هو ثيابنا، أما باقي الأشياء فهي للجمعية التي سترميها بعد صدور قرار إقامتنا، لتشتري ما يشبهها تماماً لقادم جديد.

منذ أيام، كان على أختي النزوح من القرية، وطلبتُ إليها نقل أثاث منزلي إلى المكان الجديد الذي سيحتويها. كانت كلفة نقل الأثاث أكبر من ثمنه، إلا أن شعوراً قاتلاً كان يرافقني لمجرد أن يمر في خيالي أن ينام في سريري من لا نعرفه ولا يشبهنا، أن يعفّشه الشبيحة وهم يضحكون، أن يرمي أحدهم أثاث غرفة والدتي الكحليّ على الأرض أو يحرقه ليتدفأ عليه، أن أحدهم ينظر في مرآتي، أن يشتري رجلٌ كنت أعرفه قبل اختلاف الخنادق شاشة التلفاز خاصتي، التي لطالما سهرنا معاً أمامها محاولين أن نبدو كمثقفَين يتناقشان في السينما أو الدراما، وأن يشبك يديه ويشعر بالانتصار.

يعيش ما تبقى من أثاث منزلي ومنزل أمي في أحد الأقبية، وحين أخبرني صديقي مازحاً، وهو يساعد أهلي بوضعه في القبو، عن مصيره كخشب للحرق، رجوته أن يفعل. «أن تحرقه أنت، تلك متعة لا أقاومها بعد أن بات عبئاً لنزوح جديد»؛ قلتُ له وأنا أحاول أن أبدو خشناً كوالدي يوم رحيله.

عشرات الآلاف من السكان اليوم ينزحون من جديد، تُظهر الصور والفيديوهات التي تنقل مأساتهم ما يحملون من أشياء لا تكفي لتغطيتهم جميعاً من البرد. يقول من سبقوهم: «اتركوا كل شيء هناك، ما عاد الأمر يستحق»، بينما يتشبث الأطفال ببعض أشيائهم الصغيرة وتتشبث الأمهات بأصص من الزرع وبعض الأواني، أما الرجال فيبحثون عمّن يشتري ما تبقى من حياتهم كيفما اتفق، وغالباً ما يكون الثمن غير كافٍ لنقلهم من المكان الذي هُجِّروا منه، بينما يشتري التُجّار كل ذلك، وينقلونه إلى أسواق التعفيش في مناطق سيطرة النظام، لتعزيز نصرهم من جديد.

في الطريق من ريف حلب الغربي نزح الأهالي على أقدامهم، لم يُتح لكثيرين منهم حتى حمل صرة الثياب خاصتهم. عائلات تفرقت وتاهت عن بعضها، انقسم الجميع في مخيمات مختلفة، تكتب صديقتي وسط كل هذا الألم أن «برنامج خبرني يا طير ما عاد يجمعنا»، وينسى الجميع ما تركوه هناك، لكن أياماً فقط تفصلهم عن الحنين لأشيائهم. أو ربما أن بعضهم مثلي، لم تُتح لهم الفرصة لبناء علاقة وطيدة مع أثاثهم خلال رحلات النزوح الكثيرة.

جزءاً وراء جزء، كان النزوح ينهش ذاكرتنا وعلاقتنا بالأشياء القديمة، ليحل مكانها البحث عن النجاة. لم يعد مهماً لون الغطاء والستائر، ذلك أن العراء يوحّد ألوان الأثاث وأشكال الوجوه، أما الخيام فلا فارق بينها سوى دمغة الجهة المانحة.

نسيتُ أن أخبركم أن عدداً من كبار السن رفضوا النزوح في هذه الأيام، أرادوا الموت في بيوتهم، ذلك أن علاقتهم بمنازلهم لا تشبه حياتنا المؤقتة وأحلامنا المشروعة بالنجاة. يعودُ إليَّ صوت والدي، ليخبرني أني أخطأتُ يوم اقتلعته من فراشه ذات مرة وأنا أفكر في نجاته.