يوم كانت حلب مسرحاً للموت الهدّار

 

عدتُ إليها، وكنتُ عازماً على بدء علاقتي معها من جديد. هل كنتُ منكسراً حينها؟! ولماذا؟ لا أعرف وربما لا يهمّ، ما يهمّ هو أن هذه النوايا الجادة كانت من طرف واحد، هكذا اكتشفتُ فيما بعد.

منذ أواخر 2014 وحتى أواخر العام الذي تلاه؛ لم تكن هذه المدينة مكاناً، بمعنى المكان الأوسع، بالنسبة لي، ولم تكن كذلك موطناً.

شعرتُ بتلك الفجوة فيها، فجوة: «ألّا يعني لك المكان أي شيء على الإطلاق». وفي نسقٍ عكسي: كان هناك شعورٌ بالغربة، مزيجٌ متناقضٌ لا أستطيع الآن تفسيره، لذا كان «الحشيش» وبعض الحبوب كـ «ترامادول» و«بالتان» حاجةً ملحّةً لي كي أحتفظ ببعض التوازن.

أخرجُ من البيت عند كل مجزرة، أشاهدُ دماً وأتحسّسُ أشلاءً، ألتقط صوراً قبل أن أشرع بإنقاذ الجرحى. كنتُ أشتهي أن أخاف، أو أحسَّ بما يسمونه «رهبة الموت»، لكنْ يبدو ألّا فائدة من ذلك بما أنّ الخدَرَ السافل كان يتمشّى متبختراً في كل دمي.

تعرفتُ في تلك الفترة على شخصية استفزّتني في البداية، ثم ما لبثَت أن أصبحت كلَّ من أعرفُ في حلب، كنّا في جلسة عادية؛ افتعلَ البعض جديّةً مزيفةً ليخبروا عجوزاً بلحية رثّة و«جلابية» متسخة أن «جبهة النصرة» تفتش عنه لشيوع أنه «علماني». لم يكترث مطلقاً لحديث «الأولاد»، بل ترك ضحكته تفرقعُ في المكان، وقال: «دلّوهم على بيتي».

حينها همستُ لأحدهم مستفسراً عنه، فأشار إليه وقال: «هاد؟ ما بتعرفو؟! هاد أبو عدنان العلماني».

سجلّات الموتى

سأحكي ربما في مكان لاحق عن «أبي عدنان»، ذلك الفقير جداً والنبيل جداً، وكيف ترسَّخَت علاقتي به بعد ذلك، لكنني هنا سأتناول التجربة العملية التي جمعتني به.

استدعتني إحدى المؤسسات التنموية، في ربيع 2015، لمساعدتها في عمل إحصائي يخصّ «اليتامى». كان لديها مشروع احتضان مئات العائلات اليتيمة، كلُّ عائلة حسب ظروفها ومعيشتها؛ ولذا فقد أعدَّتْ جدولاً يتناول حياة كل أسرة بالتفصيل، ليتم تحديد العائلات الأَوْلى بالمساعدة، وبالدعم الذي تستلزمه هذه العملية، وفق تسلسل منظم.

الجدول يحتوي معلومات مفصّلة: اسم الزوج والزوجة والأولاد (وأعمارهم بالطبع) / تحصيلهم العلمي/ عمل الزوج سابقاً وعمل الزوجة الحالي/ وضعها الاجتماعي/ الحي والبيت الذي تقطن فيه العائلة، وهل هو ملك أم إيجار أم «إعارة»، وغيرها من معلومات لا بدَّ من توفرها.

وكانت هناك خانة بائسة في أسفل الجدول نظرتُ إليها بلا مبالاة، هذه الخانة مخصصة للحديث عن «سبب الوفاة».

«أنت في منطقة تعيش حرباً، كيف تتوقع أن تكون أسباب الوفاة؟»، هكذا سألتُ نفسي، بسيط جداً هذا السؤال، من الطبيعي أن يموت الناس بالقصف، أو الاشتباكات، أو الجوع، أو القهر، ولم أضع احتمالات أخرى، تخيلتُ أن الموت أكثر تهذيباً، وبالطبع فإنه لن يأخذ أشكالاً أكثر دناءة من كل ما سبق.

اتفقنا مع المجالس المحلية هناك على مواعيد معينة تحضر بموجبها هذه العائلات، واتفقنا أيضاً على قائمة من الأوراق التي ينبغي توافرها بحوزة كل عائلة حتى نتلافى إمكانية الغشّ والتزوير، والتي صارت مهنة كثيرٍ من الناس في حلب وغيرها.

خُصِّصَت لنا غرفة واسعة إلى حد ما، تتصدرها طاولتان، واحدة لي والأخرى لـ «أبي عدنان»، وحولنا كان هناك كراسٍ متراصّة أملاً في أن يكون المكان أقلَّ ازدحاماً.

باشرنا العمل، ولم يكن هناك ما يُذكَر في اليومين الأولين، كلُّ استمارة تأخذ كحدٍّ أدنى 15 دقيقة لتعبئتها، نسأل خلالها المرأة/الأرملة، التي غالباً ما تأتي صحبةَ أحد أطفالها اليتامى، عن «كيف مات»، فتجيبُ تلك الإجابات العادية، مثلاً «تفجّرَ رأسه في قصف على سوق الحلوانية»، أو «هبط برميل متفجر على بيتنا، مات مع ابنيه، ولسوء الحظ بقيتُ أنا مع الطفلات الثلاث» وتمسحُ على رأس واحدة منهنّ، أو «قُنِصَ على معبر بستان القصر»، أو «مات سجيناً تحت التعذيب» ... إلخ.

أستمعُ إلى هذه القصص بملامح باردة جداً، بعض النساء يفضّلنَ في مثل هذه الحالات الصمت على الكلام، أما النساء اللائي قابلتُهن فقد كنَّ بحاجةٍ إلى البوح لأي أحد بتفاصيل حياتهن.

كان هناك نساءٌ يتحدثنَ عن أشياء لا علاقة لها بغرض قدومهنّ إلى المكتب، وهناك صنف آخر من اللواتي ينتقلنَ من سيرةٍ إلى أخرى حتى يصلنَ أخيراً إلى اللحظة التي يشتكينَ فيها من ضيق الحال ويطلبنَ المساعدة، ولو كنتُ أملك شيئاً في تلك الفترة لأعطيت، لكنّ مثل هذا الفعل سيفتح علينا أبواباً لا تُغلَق، ولذا كان لا بدَّ من التصرف حياله بحزم. أما «أبو عدنان»، الذي كثيراً ما يمرّ بأيام لا يستطيع أن يطعم فيها أولاده، فإنه منذ اليوم الأول استدان مني «200 ليرة»، ورأيته يعطيها لامرأة، وبعد السيل الذي لم نستطع سدّه إلّا بصعوبة؛ يبدو أنه تعلَّمَ كيف يتدارك مثل هذه المواقف.

مرَّ يومان مع قصص الموتى دون أن يُحركا بي أدنى شعور من الخوف، حاولتُ اصطناع التهيّب كثيراً؛ حاولتُ الإصغاء أكثر والإحساس بكل شيء؛ ويبدو أنني فشلت، حتى جاءت تلك المرأة البدوية، وحرّكت بأسلوبها الروائي البسيط قطعان الذئاب الواجمة التي في داخلي. كانت من سكان ريف حلب الجنوبي، ونزحت بعدها إلى حلب نتيجة سوء الأوضاع هناك، وعندما حضرت إلى مكتبي لم تكن وحدها؛ كانت برفقة العائلة كلها.

بينما كانت تهمُّ بالجلوس؛ قالت لي: «آني كان عندي تسع أولاد... اثنين منهم انقتلوا، وهذول ولادهم»، نظرتُ إلى الأطفال ورأيتُ أمهاتهم الصغيرات، لا تتجاوز كل واحدة منهنَّ العشرين، فتحتُ ملفاً جديداً وسجلّتُ بعض التفاصيل، وعندما وصلنا إلى تلك الخانة الهامشية، خانة «سبب الوفاة»، أشعلتُ سيجارةً فطلبت مني واحدةً لها أيضاً، وتهيئتُ للإصغاء.

«الله مفضل علينا» هكذا بدأت، «أحوالنا كانت ممتازة، أولادي يعملون في مهن كثيرة، عمال وتجار ومعلمون وموظفون في الدولة، ولم يكن ينقصنا أي شيء، ملؤوا بيتي بجيش من الأحفاد، ولولا دولاب الأيام الذي يدور ويتقلب لما رأيتني هنا.

«أحمد» موظف في إحدى دوائر الدولة، عمره 35 عاماً، بعد أن دخل الجيش الحر إلى حلب ترك وظيفته، هو الذي ارتأى أنّ هذا أنسب له، بين الفينة والأخرى كان هناك من يجلب له مرتّبه الشهري، ثمّ ما لبث أن انقطع المرتّب، وفي منتصف عام 2014 قُتِلَ أحمد مخلّفاً هذه «الحرمة» والأولاد.

سألتُها عمّن قتله، فأجابت: «حركة فجر الشام الإسلامية... أو الأصح أخوه قتله».

كان هناك خلاف على قطعة أرض صغيرة في قرية بالريف الجنوبي بينه وبين أخيه، وعندما تمكّن الإسلاميون من فرض القليل من سيطرتهم على بعض المفاصل في حلب، انتهز الفرصة واتّهمه لدى حركة فجر بأنه «شبيح»، وكانت حجته أنه موظف لدى الدولة!، قُتِل «أحمد» على الفور، دون أية تحقيقات أو حتى استفسارات.

هل بان على ملامحي الغضب آنذاك؟! لا أعرف، لكنني وجهتُ إليها مزيداً من الأسئلة طمعاً في الحصول على إجابة مبرِّرَة، أخبرتني بأنّ أخاه هرب إلى تركيا بعد ذلك، تاركاً لها أولاده أيضاً، وعندما راجعوا «الحركة» بسبب هذا الفتك غير المبرر، كان ردهم: «نحن ما دخلنا، إذا هو كذاب فالدم برقبتو!».

بسيطة، الحياة ليست نصلاً خرِباً حتى نطالبها بعدل أو منطقية أكثر، إنها هكذا دائماً، توجع من حيث تظن أنك في أقصى درجات اللذة، وتُمتِعُ حينما تظن أنك في أقصى درجات الألم، تلتفت لتحدد الجهة التي تأتيك منها السكاكين؛ فتفاجئك قبلة طائشة، وعندما تكمل المسير السعيد لا بُدّ أن تقع وتنهض مراراً، وهكذا... حتى تموت.

نظرتُ إلى أطفال «أحمد»، إلى زوجته أيضاً، تعرفتُ إليهم واحداً واحداً، ثم انتقلت الأم لتحكي لي عن ابنها الآخر.

اسمه «خالد»، شاب في العشرين، جرّبَ مهناً عديدة إلى أن استقرَّ أخيراً على مهنة «بيع المازوت».

لم تكن هذه المادة متوفرةً في أحياء حلب الشرقية، كانت حقول النفط شرقي سوريا معظمها تحت سيطرة «داعش»، وبالتالي فإن هذه المواد تدخل عن طريقها وتنتشر داخل المناطق التي تسيطر عليها، بالمقابل فإن مناطق «داعش» كانت محتاجة لمادة الغاز، وهذا ما لم يكن متوفراً للمدنيين هناك، لذا فإنك كثيراً ما تجد سيارات تخرج من حلب المدينة إلى مدينة الباب في ريفها الشرقي محملة بالغاز، وتعود سيارة أخرى معها «المازوت» داخلةً المدينة، وقد حققت هذه التجارة ربحاً جيداً لممتهنيها.

«خالد» كان يقطع هذا الطريق يومياً، حتى أوقفه عناصر «داعش» في مدينة الباب؛ وفُتِّشَت سيارته، وبعد أن أُنزِلَ منها، يبدو أن أحدهم دسَّ فيها سلاحاً خفيفاً أثناء الحديث معه، وأُلصِقَت به تهمة تهريب السلاح إلى مناطق «المرتدين».

ذهبت الأم لتحضر جثته، فلم يعطوها إياها، وقالوا إنهم تركوها لـ «الكلاب الجائعة».

وبعدها نهضت الأم لتجرّ جيش الأولاد خلفها، بينما أنا تمشَّت في جسدي رعدةٌ خفيفة.

كيف لتلك المشنقة أن تشدّ على ذلك العنق؟!

«ما اسمُكِ؟» سألتُها، فلم تجب على الفور، ناولتني دفتر العائلة؛ فسجلتُ المعلومات التي أريدها منه. سألتُها «كيف مات؟»، فنظرت إلى نقطة عشوائية بدت لي بعيدة؛ وأجابت بعد ثوانٍ: «شَنَقَ نفسه».

ارتعبتُ لمجرد أن تخيلتُ جسداً يتدلّى من سقف، الغبي السخيف، كيف يشنق نفسه بينما الموت يُوزَّع مجاناً في كل مكان؟

«طيب... كيف؟» سألتها مجدداً، وبتململٍ شديد؛ تململِ من كرَّرَ السيناريو ذاته مئات المرات أمام كثيرين دون أن يتلقى أي نتيجة، حكت لي القصة:

«كان مزاجه متقلباً جداً في الأسبوعين الأخيرين من حياته، تارةً يغضب فيكيل علينا سيلاً من الشتائم، ضارباً رأسه بالجدار، وتارةً يبكي بحرقة حتى تصير عيناه جمرتين متقدتين، أتفهم الآن أن هذا كان من حقه، فمن غير المنصف أن يراني مع بناته الثلاث نطرق الأبواب مستجدين رغيفاً أو أي شيء آخر، ويظلَّ طبيعياً.

بيتنا كان في حي الأرض الحمرا، ذاك الحي الذي تعرّض لأعنف قصف صاروخي في حلب، مخلّفاً مساحة واسعة من الأنقاض.

زوجي كان قصّاباً، وفي دكانه كان عندما أعطبت الشظايا قدماً من قدميه، وجعلته معاقاً تماماً. نزحنا بعدها إلى حيّ طريق الباب، وسكنّا في منزل عشوائي كان أصحابه قد نزحوا منه أيضاً، وهكذا كان عليَّ أن أتكفَّلَ أنا بالقوت اليومي لنا جميعاً، فهو كسيحٌ ولم يعد قادراً على مزاولة أي عمل، ولم يكن هناك من هو أفضل حالاً منّا ليساعدنا.

طرقتُ أبواب الجمعيات والمنظمات، وعندما لم يعطوني شيئاً، صرتُ «شحاذة» كما ترى. في أحد الأيام فاجأني إلحاحه وهو يطلب مني أن أخرج فوراً لأحضر طعاماً، وطلب أيضاً أن أُخرِجَ الأطفالَ معي، وبعد جدالات حادّة خرجنا.

عندما عدنا بعد الظهيرة؛ شاهدتُه معلقاً في الهواء».

«رح تعطيني شي هلق ولّا بعدين... قلّي أيمت أرجع»، هكذا سألتني، بينما أنا كنتُ أحدّقُ في عينيها ببلاهة.

يا حفّار القبور، لماذا لم تحفر قبرك؟!

كنتُ أمام وجه مسرف في الإندهاش والذهول، تنظر إلى عيني وكأنها تريد أن تفهم شيئاً، وترسل لي عيناها عشرات من الـ «لماذا».

صرتُ أتحسَّسُ بدني كاملاً أمام كلّ حالة جديدة عليَّ التعامل معها، وصرتُ أعرف بالحدس الدرجات الدنيا والعليا من الألم الذي سيلحقنه بي. شريراتٌ النساء حتى في مآسيهنّ، دائماً يعرفنَ كيف يَخِزنَك ويجرحْنَك ثم يشتكين إليكَ منك.

«احكيلي»، قلتُ لها، وحكتْ:

«كان حدّاداً؛ وصار حفار قبور بمحض حديث ساذج دار بيننا. ترك مهنته «الحدادة» لأنّها لم تعد تنفع ولا تدرّ دخلاً ولو بسيطاً.

تحادثنا مرّةً عن النزوح، حاولتُ إقناعه بالخروج إلى تركيا لكنّه لم يرضَ، حدثتُه عن الموت المحيط بنا، فأخبرني، فجأةً، بأنه سيعمل حفاراً للقبور.

هل يتهيّب الموتُ ممّن يلاقيه دائماً؟! أودّ لو أعرف.

بعد خوضه في هذه المهنة؛ كانت أوضاعنا تتحسن بشكل لا يُصدق، امتلكنا بعد فترة وجيزة كل «الكماليات» التي يحلمُ بها من هم في مناطقنا، والتي تُعدّ ترفاً في الحرب، وأنا كنتُ سعيدة، سعيدة إلى الحدّ الذي نسيت معه النزوح وتركيا أيضاً.
في شهر شباط عام 2015، أُخبِرتُ أنّه مات، بدت لي الفكرة غريبة ومستحيلة، كيف لحفّار قبور أن يموت؟

عرفتُ التفاصيل بعد ذلك، كان يحفر قبراً لأحد القتلى، وفور انتهائه من الحفر، عدَّلَ وقفته واستوى، نظر حوله... ثم سقط في القبر الذي حفره.
كانت شظيةٌ قد اخترقت رأسه، ومات إثرها».
عبثٌ في عبث، كنتُ آنذاك أفكر في كتابة تقرير عن المقابر في حلب، خصوصاً أنّها، لكثرة القتلى، لم تعد تستوعب فتح أماكن جديدة داخلها، ولذا أُصدِرت فتوى بجواز فتح قبر آخر قديم ودفن جثة جديدة فيه.
تخيلتُ «يوسف» قبل موته هناك، وهو يسند فأسه على كتفه متجولاً في المكان الذي يحفظه قبراً قبراً، تخيلتُه يجسّ التراب ليعرف أي القبور أقدم، معيداً نبشه ثانية بفأسه، ليضع جثة أخرى فوق الجثة التي استحالت إلى رفات عظام، تخيلتُ كل هذا ونسيتُ أن أسأل المرأة عمّن حفر له قبراً!

الطفلة الأرملة

لعلّ القصص السالفة وغيرها من القصص الهامشية التي لم أروِها ها هنا؛ شكَّلَت لديَّ شعوراً بحزن عميق ورعب حادّ يكادان يتفجران من كلِّ ما فيّ، فيما بعد سيتحول كل هذا إلى كوابيس لها طابع مختلف عن الكابوس العاديّ، كوابيس ستكون من «كلمات».

في الوقت ذاته، كنتُ ألاحظ أنني بدأتُ أهتمّ بالأطفال/اليتامى الذين يحضرون إلى مكتبي جيداً، كنتُ أحاول إضحاكهم وأتحدث إليهم أكثر، تشكلت لدي حالة من الحنان «الأمومي» تجاههم، وكأنني أدركُ للمرة الأولى مدى الفاجعة التي يشهدونها، والتشوهات التي ستصحبهم في حياتهم المستقبلية.

تابعتُ عملي محاولاً إخفاء كثيرٍ من القلق والارتباك، بينما جلستْ على طاولتي امرأةٌ وطفلةٌ صغيرة كانت تحمل رضيعة.

تحدثتُ إلى الطفلة أولاً، سألتُها عن المدرسة التي تتعلم فيها، عن الألعاب التي تفضّلها، عن صديقاتها اللواتي تحبّهن، وأشياء أخرى، وكانت إجاباتها الخائفة والمرتبكة جداً بالنفي، كرّرتُ لها عدة مرات لفظة «حبيبتي» رغبةً في أن أُشعِرَها بقربي منها، أردتُ أن أوصلَ لها كل ذلك «الحنان الأمومي».

أثناء ذلك؛ لاحظتُ خللاً ما في نظرات أمّها، فسّرتُها على الفور بالاستياء من ظرفهم الحالي، وتابعتُ حديثي مع الطفلة «حبيبتي أنتِ بتحبي الشوكولا؟»، كانت نظراتُ أمّها تزداد حدّة، عرفتُ أنّ هناك شيئاً خاطئاً في الأمر، لكنني تلقائياً استبعدتُ أن يكون حديثي بهذه الطريقة هو السبب، أولاً لأنها طفلة، وثانياً لأنها ربّما شاهدَتْني وأنا أتحدث إلى كل الأطفال بتلك اللهجة نفسها، ثم إنّ نبرة الصوت والابتسامة البريئة المرتسمة على وجهي لا تدلُّ على أي خلل، تمسكتُ بتفسيري السابق، وبدأتُ بتدوين المعلومات.

اسم الزوج/ عمرُه/ مهنته السابقة/ سبب الوفاة (اشتباكات على إحدى جبهات حلب)؛ ثم انتقلتُ إلى الأم، سألتُها عن اسمها ووضعها الحالي، تعليمها وأشياء أخرى، وسألتُ عن مواليدها. كانت نبرةُ صوتها مشحونة بالقهر، صوتُها يكاد لا يخرج إلا متأففاً بين لفظة وأخرى، هذيتُ لنفسي ببعض الأشياء عن عدم تقدير الآخرين للمجهود الذي تبذله من أجلهم، ثم بررتُه بكوني لا أعرف أي شيء عن ظروفها ووضعها الحالي.

أخبرتني بأنّها من مواليد 2002! ابتسمتُ وأوضحتُ لها أنني أريدُ أن أعرف عمرها هي لا عمر ابنتها، «كمان إش بدك بعمري، إش بدك مني أنا؟»، هكذا أجابت محتدّة.

تمالكتُ أعصابي؛ وشرحتُ لها أنّني سآخذ معلومات الطفلة بعد أن أنتهي من أخذ معلوماتها كونها هي الأرملة.

«بتول اللي عبتغازلا هي الأرملة»، ردَّت.

تصاعدَ الدم إلى رأسي بسرعة، أحسستُ بوجهي حاراً مثل رغيف خرج لتوّه من التنور، ارتَخَت شفتي السفلى، وتهاويت.

تذكرتُ الحوادث التي شاهدتُها عن استغلال النساء، لا سيما الأرامل، في أفران الخبز المزدحمة، وفي الجمعيات الإغاثية للحصول على حصة غذائية، تذكرتُ كيف لقّنتني إحدى الأرامل عنوانها ورقم هاتفها وأشارت إليَّ بأنني أستطيع محادثتها. هكذا انزاحت المفاهيم عن قيمها النبيلة، واستحالت إلى «تابوه» جاهز لضمان الحصول على مساعدة سريعة.

تخيلتُ نفسي متحرشاً قذراً من الأصناف السابقة؛ إذن هي هكذا تراني أيضاً!

كنتُ في حالة عماء كامل، مرت ثوانٍ عديدة وأنا فاقد الإدراك، كل ما حولي يدور ويدور، نظرتُ إلى الطفلة «الأرملة» من جديد، كانت نظراتها مصوَّبةً إلى رضيعها. حركتُ عينيّ نحو الأم؛ كانت ما تزال ترمقني بتلك النظرات التي لا أعرف كنهها حتى الآن، ولا كيف لها أن تُشعِرِكَ أنكَ أكثر الناس ذنباً على وجه الأرض.

«ليش ظليتي ساكتة لهلق، شايفتيني رافع بارودة بوجهك؟!»، قلتُ لها، وخانتني الكلمات بعدها، استكملتُ ملفَّها بسرعة، وخرجتُ من المكتب المزدحم.

وداع

انطبقَ عليَّ لقب «مدمن» تماماً بعد هذه التجربة، فقط كنتُ بحاجة إلى أن «أظلَّ على الخط» مع هذا العالم؛ عبر تناول «ترامادول» (الرخيص والمتوفر دائماً)، بدون ذلك كان يستحيل عليَّ إكمال ساعتين من النهار.

المشكلة الأكبر كانت في الهوّة التي أخذت بدايةً شكلاً من عدم الإحساس الكامل بأي شيء، ثم الإحساس المبالغ به بأشياء معينة، هذه كيف من الممكن التعامل معها؟!

إضافة إلى هذا؛ فقد كانت الكوابيس تأخذ منحىً مفرطاً في الرمزية والغرابة، الكابوس كان عبارة عن كلمة صغيرة أو جملة يهمسها صوتٌ ما، ويبدأ صداها يتردد في دهاليز معتمة، وشيئاً فشيئاً يتغير الصوت، ويتغير كذلك إحساسي الإيقاعي بالمفردة، ثم أخيراً يصبح لها الشكل المفزع الذي أحاول النهوض معه من النوم.

لم أكن بخير أبداً، ليس بسبب التجربة فحسب، بل بسبب تفاصيل إضافية كانت تجعل حلب محدودةً في ناظريَّ مثل مدى رصاصاتها، ولعلّي لم أكن أستطيع أن أبني شيئاً ضمن كل ما هو محدَّدٌ ومحدود، ولذا انتهزتُ أول فرصة لأخرج منها.

المشهد البسيط كان هو ذاته في أواخر 2015، قرى تصطف طوال الطريق الذي تقطعه إلى الريف الشمالي، حواجز، وباعة «مازوت وبنزين» أخذوا شكل محطات الوقود التي لم تعد موجودة، ووجوهٌ لا تنتهي.

«مشينا خاي؟»، وَخَزَني صوتُ المهرّب، فنهضتُ معه لنكمل المسير إلى أقرب نقطة من الحدود. قصص القتلى كانت تتمشى معي، ووجه الطفلة/الأرملة أيضاً. الحدود ليست ناعمة، ولا المدينة البعيدة كذلك.