إذا ضربوا في الأرض

 

على محطة القطار في برلين سمعت شاباً شامياً، في تأثُّر مصري واضح، يقنع صديقه بالسهر معه حيث «سنضرب لنا عرقاً». وقالها نضربِلْ-نا وليس نضربْ-لِنا، أي أنه أخذ الفعل العربي القديم، بعد أن اكتسب المعنى المصري الجديد، ليدمجه، بكل سلاسة ودون تفكير، بقواعد نطقه الشامي.

ابتهجت يومها وقد داخلني يقين أن الشاب، السوري أو الفلسطيني، أخذ تعبيره من شباب مصريين من لحم ودم، لا من المسلسلات كالعادة، إذ لم يصل هذا التعبير للتلفزيون بعد.

بمعنى آخر تماماً، كان يقال قديماً في مصر: أضرب له تليفوناً، أي أتصل به هاتفياً، حتى شاعت نكتة سمجة تتساءل عما فعله لك التليفون لتضربه، وقد ظهر هذا الاستخدام - إن لم تخني الذاكرة - في عهد الهاتف ذي القرص الدائري، الذي يُدار ولا يُضرب، ما شكّل لغزاً حلُّه ربما أن المصريين استوحوا شيئاً في هذا من رنين الجرس، سمعوا في التليفون جرساً نحاسياً يُخبط لسانه في صَدَفَته حتى يرن.

في المصرية أو الفضحى، يشكّل الجذر ض-ر-ب أحد أطوع الجذور وأكثرها قابلية للاستخدامات المختلفة، حتى سيقَدّر له وحده أن يحتل الصدارة، وبمعنيَين مختلفين تماماً، في أكثر آيتين قرآنيتين إثارة للجدل بخصوص النساء، {وَاضرِبُوهُنَّ} و{ليَضرِبنَ بِخُمُرُهِنَّ عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّ}، الأولى - كما لا داعي للشرح - تدور حول جواز ضرب النساء، والثانية حول وجوب الحجاب عليهن.

نبدأ هنا بالمعنى الأساسي المتعلق بالإيذاء البدني، وتتردّد فيه أصداء من الخبط والخلط والدق والدفق والطرق والاصطدام، ونجده في ضرب الودع وضرب الأعناق والضربة العسكرية، ويقال في المصرية الآن - بهذا المعنى وفي معرض الذم - «مضروب بالنار». أما قديماً، وفي معرض المديح، فكان يقال «ضاربه الدم»، أي متورِّد الوجه بفعل تدفق الدم في شرايينه.

* * * * *

الجذر العبري المقابل للضرب هو «صَرَڤ»، ويعني اللسع بالنار ما قد يؤدي لطبع علامة على الجلد؛ وهو ما يقرّبنا من معنى الختم والطباعة في العربية، في مثل: ضرب الدراهم، أو: {ضُرِبَت عَلَيهِمُ الذِّلَّةُ وَالمَسكَنَةُ}، أو: «ضُربت الشاة بلون كذا أي خولطت به». ويداخلني اعتقاد أن اسم «جدول الضرب» جاء استيحاءً من هذا المعنى: خذ رقماً بعينه واضربه، أي اطبعه، مرات عدة، فتجده وقد تضاعف أمامك. كما قد يكون معنى «النوع»، في قولنا: ضَرْب من الوهم، قد جاء من تخيل الناس لختم ضُرب على هذا النوع من الوهم ليصبح ماركة مسجلة لصاحبه.

وعلى غرار ما جاء «الطريق» من الـ«طَرْق»، فقد تكون «الدرب» مستوحاة من الـ«ضَرْب»، وبالتحديد من تعبير «الضرب في الأرض»، أي السير فيها، والذي يذكّرني بالمناسبة بـ«الطعن في السن»، كأن الاثنتين، الضربة والطعنة، تنفذان بعيداً، واحدة في المكان والأخرى في الزمان.

عشرات المعاني المتشابكة كالأوعية الدموية تسري في مادة ض-ر-ب في المعاجم، معانٍ كفيلة بتدويخ المرء من فرط تنوعها، ولكني بشكل شديد الغموض والعمومية، أرى في الكثير منها حركة تجري بين الأعلى والأسفل؛ يداً تهوي بالختم فتضرب درهماً أو توقيعاً، عصا تنهال على البحر فتشقه نصفين، شخصاً يضرب في الأرض فتنتج أقدامه آثاراً عليها، فتاة تضرب بخمارها على صدرها فتغطيه، إلهاً يضرب سوراً بين قومين فيفرّق بينهما، أو يضرب على آذان الناس فيسدُّها، أو يضرب لهم أمثالاً، أي ينصب لهم - من عليائه وفي عالم التجريد - مرايا يرون فيها ما يشبه حياتهم. 

* * * * *

هناك جذر واحد: ضاد راء باء، وهناك معنى أساسي له، وقد أنتجت الفصحى من هذا المعنى سلسلة معاني يغلب عليها القوة والفخامة، وأنتج المصريون منه سلسلة أخرى تتعلّق بالتعطّل والخراب. 

بخلاف الدم الذي يضرب في المخ تعبيراً عن الغضب، فإن المخ نفسه يضرب في مصر، والجهاز يضرب، ويلمُّ سمير غانم البنطلون فيجد الجاكيتة تضرب، وهي كلها تعبيرات تشير للخراب الناتج عن التهدُّل والانفجار الأخرق، وربما مع لمسة خفيفة من معنى «الضرب في الأرض»: تتضخّم الأبعاد وصولاً للتعطُّل النهائي. 

تتعدّد الاختلافات بين المعنيين المصري والفصيح، وتصل حد التناقض أحياناً، ومن أوضح التناقضات تعبير «ضرب الموعد»، والذي يعني بالمصرية إفساد الموعد عبر تسويفه أو إلغائه، بينما يشير في الفصحى إلى «تحديده»: نقر الإصبع على زمان ومكان بعينهما في الروزنامة وتثبيته. وصحيح أن معنى التعبير القرآني {ليَضرِبنَ بِخُمُرُهِنَّ عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّ} قد يبدو متطابقاً مع قول المصريين «ضربت التيشيرت على البنطلون»، ولكن قد لا يكون هذا التطابق سوى محض خدعة بصرية، إذ يشير المعنى القرآني للإسدال والتغطية، فيما يشير توأمه المصري، كما أحدس، للاستهلاك والسرعة وعدم العناية وارتداء الملابس كيفما اتفق.

شيء ثقيل في الـ«ضرب»، المصرية متعلق بالاستهلاك، وهي الكلمة المشتقة أصلاً من الـ«هلاك»: إهلاك الأشياء عن طريق إشباعها ضرباً، أو أن هذا ما قد يكون رآه المصريون على الأقل في ضرب الأشياء.

لا نكتفي في مصر بـ«ضرب التيشيرت»، وإنما نضرب غُطْساً في البحر أيضاً، ونضرب أكلة سمك، ونضرب صداقة أو صحوبية مع فلان، وكل هذا يقال بنبرة استهانة أو استهجان أو سخرية، حتى يمتد طيف المعاني من الركاكة إلى الاحتيال، فنستعير لمسة من معنى الطباعة لنقول «ضربت الأوراق»، أي زوّرتها، وأخرى من معنى الغطاء لنقول «ضربت على الكتاب»، أي استعرته وتجاهلت رده، غطَّيته وأخفيته، {خُمُرُهِنَّ عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّ} في معناها الأدق هذه المرة.

في كل هذه الخلطة العجيبة، لا نملك يقيناً أكبر من أن المرء في مصر لا يتباهى بما ضربه، بل في أحسن الظروف يتباهى بنفسه هو، بقدرته على الإنجاز السريع والفهلوي والمحتال، أو من ناحية أخرى بخفة ظله التي ألهمته استخدام تعبير «الضرب» المضحك والجذاب والشبابي، التعبير السينيكالي الذي لا تليق به الملحمية سوى - للمفارقة - في معناه الأصلي جداً: استخدام العنف.