المقابر الجماعية والمفقودون في الرقة 

 

مقدمة

يبدو البحث في موضوع المقابر الجماعية في عموم سورية بحثاً واسعاً وشائكاً نظراً لحجمه ومداه الزماني والمكاني الواسع، ولسبق الكتابة فيه بكثرة على المستوى الحقوقي والإعلامي، ولقد رأينا أنّ تناول موضوع المقابر الجماعية والمفقودين في الرقة يحتوي على فرادة في المشهد السوري، نظراً لتعدّد الأطراف المشاركة فيه، ومنها التحالفُ الدولي ضد تنظيم الدولة الإسلامية «داعش» والشريكُ المحلي للتحالف على الأرض قوات سورية الديمقراطية، وكذلك تنظيم داعش، ولندرة الكتابات الجادة والرصينة التي تتناول الأمر بالبحث الحقوقي الجاد في منطقة من سورية، شهدت أحداثاً لها تأثير عميق على الصعيد المحلي والوطني والعالمي.

وقد بدأ تشكّل المقابر الجماعية في الرقة عام 2012 على يد عناصر داعش أثناء وجودهم في جبهة النصرة، عندما استخدموا منطقة الهوتة في رمي جثث ضحاياهم من المدنيين والجيش الحر وعناصر من قوات النظام، كما قام التنظيم المذكور بعد السيطرة على الرقة عام 2014 وقبل ذلك، بإخفاء جثث من قتلهم من المدنيين ومن خصومه في مناطق مختلفة، إلا أنّ هجوم قوات التحالف الدولي على المدينة منتصف عام 2017 أدى إلى قتل عدد كبير من المدنيين، دُفنوا في مقابر جماعية في مختلف الأمكنة في المدينة وعلى أطرافها، في ظروف الحصار التي لم تمكّن السكان من دفن أحبائهم في المقابر العامة.

تحاول هذه الورقة البحثية تسليط الضوء على موضوع المقابر الجماعية والمفقودين في الرقة على ضوء الواقع، وعلى هدى القانون الدولي، والسوابق الجارية في مناطق أخرى من العالم الحديث، كما تتناول الورقة وسائل انتشال الرفات من ضحايا المقابر الجماعية وكشف هوياتهم، إضافة إلى الأطراف الفاعلة ومسؤولياتها، وتنتهي إلى التوصيات والمقترحات التي ربما تكون جزءاً من حلّ لقضية أدمت قلوب وحياة الناس في منطقة لا زالت وستبقى مدّة طويلة تعاني من آثار ما جرى من مآسٍ بحقّ أهلها.

«الهوتة»، المقبرة المفتوحة

في الشهر الثالث من عام 2013 سيطرت فصائل المعارضة المسلحة على الرقة، ولم يطل الوقت حتى ظهر تنظيم داعش كقوة منظمة جذبت إليها كثيراً من المتطرفين من مختلف بلدان العالم، وبدأ بمحاربة الفصائل بشكل سرّي، عبر الاغتيالات ثم بالمواجهة المباشرة حتى سيطر على المحافظة مطلع عام 2014 بعد أن قضى على الفصائل بشكل كامل، وانتهى بالسيطرة تباعاً على مواقع النظام العسكرية المتبقية في أراضي المحافظة، حيث انفرد بحكمها مستخدماً وسائل غاية في التوحش والعنف بحق السكان المدنيين، وكان الخطف والتغييب للخصوم والمدنيين منذ البداية وسيلة من وسائله للسيطرة، وكان القتل ذبحاً أو حرقاً أو رمياً بالرصاص، وبوسائل أخرى كثيرةً علناً في أحيان، وسرّاً في أغلب الأحيان، تنتهي بدفن هؤلاء الناس في حفر جماعية في مناطق مختلفة من أراضي المحافظة، وفي بقيّة المناطق التي يسيطر عليها في سورية أو العراق، وتعتبر «الهوتة» من أبرز وأغرب الأمكنة التي جعلها التنظيم منذ بداياته مقبرةً رهيبةً لرمي جثث ضحاياه.

والهوتة الواقعة قرب قرية حمام التركمان التابعة لمنطقة لتل أبيض، هي انهدام أرضي طبيعي بشكل حفرةٍ عميقةٍ واسعةٍ في الأعلى، وتضيق بشكل متدرّج نزولاً إلى الأسفل، لم يقم أحد بدراستها بشكل علميّ، ويُعتقَد أنّ عمقَها بحدود مائتي متر، كان عناصر من جبهة النصرة ــــ ثم أصبحوا بعد ذلك ضمن تنظيم داعش ــــ قد باشروا باستخدامها لرمي جثث ضحاياهم عبر مسلسل يوميّ لرمي الجثث والأحياء أيضاً، بعد عمليّات الخطف والاغتيال للنشطاء ومنتسبي الجيش الحر والتجار، وأيّ شخص يُشتمّ منه أنه يعارض التنظيم، وكان المكان المفضّل لإخفاء أجساد الأحياء منهم وجثث الأموات هو الهوتة1 حتى بلغ العدد أكثر من ثلاثة آلاف جثة من السوريين بمختلف طوائفهم وأعراقهم، وكان أكثر من أُلقي في جوف الهوتة هم شباب من الرقة2

وبعد أن كثرت الجثث وفاحت روائحها إلى مسافة كيلومترات، أحضر التنظيم صهاريج تحمل نفطاً قام بصبه في فوهة الهوتة وأشعله، فكانت موقدة كبيرة استمرّ دخانها عدّة أيام. 

كانت الهوتة عنواناً بشعاً للتنظيم الإرهابي، لكنها لم تكن المكان الوحيد لتغييب خصومه وضحاياه، وبقي يمارس سياسة التغييب الرهيبة، والقتل والدفن سراً مدة حكمة التي بلغت أربعاً من السنين، بدت خلالها سياساته فرصةً لكثير من الأطراف لإظهار نفسها كمحارب للإرهاب.

مدنيو الرقة بين قذائف التحالف الدولي وألغام داعش 

بدأ الهجوم على مدينة الرقة من قبل قوات التحالف الدولي، منتصف عام 2017 استكمالاً للحرب التي بدأت بوادرها عام 2014 في العراق بعدما أنشأت الولايات المتحدة تحالفاً دولياً تحت اسم قوة المهام المشتركة ــعملية العزم الصلبــ، وقد شارك تحالفٌ من عشرات الدول في العملية العسكرية في الرقة، بحيث تتكفّل القوات الأميركية بجميع الضربات الجوية، تشاركها قوات من دولٍ أخرى بنسبة أقل مثل بريطانيا وفرنسا، كما ورد في تقرير منظمة العفو الدولية الصادر بتاريخ 23/8/ 2017 تحت عنوان لن أنسى هذه المذبحة. كذلك تحتكر القوات الأميركية شنّ الهجمات البرية بالمدفعيّة، إلى جانب قوات سورية الديمقراطية التي تقاتل بأسلحة أخفّ وبمدافع الهاون من عيار 120 مم، وتقدّم القوات الأخيرة ـــ التي تقاتل على الأرض ـــ الإحداثيّات لقوات التحالف، بالنسبة للأهداف التي يتم قصفها بالمدفعية أو بضربات جويّة، ثبت في حالات متعدّدة خطأ هذه الإحداثيات، باعتراف التحالف الدولي وفق التقرير المذكور3.

والرقة التي يُطلق عليها عاصمة داعش كانت مكتظّة بالمدنيين، وكانت قبل الهجوم الأخير تتعرض للقصف بواسطة طيران التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة الأميركية، ضمن قواعد اشتباك تستهدف التنظيم بشكل خاص، وتقلل من الخسائر في صفوف المدنيين، إلا أن قواعد الاشتباك تلك قد تغيرت عند محاصرة المدينة بريّاً، وانكماش مقاتلي داعش إلى داخل المدينة، بحيث تخففت القوات الجوية والبرّية من بعض القيود المفروضة عليها بموجب القوانين الأميركية، والمعبّر عنها بأمر تنفيذي صادر عام 2016 عن الرئيس الأميركي السابق أوباما يتعلق بالمدنيين، وقد تعرضت المدينة منذ بداية شهر حزيران/يونيو 2017 وحتى 17 تشرين الأول/أكتوبر من السنة نفسها إلى حملة عنيفة من القصف الجوي والمدفعي، نتج عنه دمارٌ كارثيّ في الأبنية والممتلكات، وموتٌ لآلاف من سكان المدينة المدنيين كان من الصعب تحديده بدقّة، وقد قدّم منسق الأمم المتحدة للإغاثة الطارئة مارك لوكوك إحاطة أمام مجلس الأمن الدولي بتاريخ 17 نيسان 2018 ذكر فيها أنّ ما يتراوح بين 70 و80 % من كل المباني داخل مدينة الرقة قد دُمّرت أو هُدمت4.

في ذروة الهجوم على الرقة صرّح قائد قوات التحالف آنذاك الجنرال ستيفن تاونسند قائلاً: إنه لم يحدث مطلقاً أن كانت هناك حملة جوّية أكثر دقّةً من الحملة الحالية في تاريخ النزاع المسلح، إلّا أنّ هذه الحملة ــــ كما صرّح كبير المستشارين لدى هيئة الأركان المشتركة الأمريكية جون وايل تروكسيل ــــ  توحي بأنّ العملية العسكريّة للتحالف كانت أبعد ما تكون عن الدّقّة، فخلال خمسة أشهر ــــ كما قال ــــ أطلقت كتيبةٌ من مشاة البحريّة الأمريكية 30 ألف قذيفة مدفعيّة على أهداف لتنظيم الدولة الإسلامية، وأطلقت عدداً من القذائف في الرقة يفوق ما أطلقته أية كتيبة مدفعيّة أخرى، أو كتيبة بحريّة أو بريّة منذ حرب فيتنام.

ونظراً لأن هامش الخطأ في هذه المدافع من نوع (هوتزر m 777) يزيد عن 100 متر، فإنّ إطلاق هذا العدد الكبير من القذائف على مدينة حوصر فيها المدنيون في كل حيّ من أحيائها، كان يشكّل خطراً على المدنيين لا يمكن قبوله، إضافةً إلى الأخطاء التي سبق القول إنّ قوات سورية الديمقراطية ارتكبتها في تحديد وإعطاء الإحداثيات للأهداف التي تمّ قصفها جويّاً وبريّاً، وفق ما ورد في التقرير المشهور الذي أصدرته منظمة العفو الدولية ــ أمنستي بتاريخ 5/6/2018 بعنوان حرب الإبادة ـــ خسائر فادحة في صفوف المدنيين في مدينة الرقة ـــ والذي استند إلى زياراتٍ ميدانية لباحثين وخبراء في المنظمة الدولية المذكورة إلى الرقة لمدّة شهرين، وأخذٍ لإفاداتٍ من الناجين والشهود، وتحليلٍ لواقع الأبنية المدنية المهدّمة بفعل الغارات الجويّة والقصف المدفعيّ، مع تحليلٍ لصور الأقمار الصناعية للمواقع قبل القصف وبعده، وتوصّل التقريرُ إلى أنّ القصف بنوعيه قد استهدف أبنيةً كثيرةً مكتظّةً بالسكان المدنيّين، مستخدماً ذخيرةً ذات تأثيرٍ واسعِ النّطاقِ، وأنّ ذلك قد أدى إلى وفاة عدد كبير من هؤلاء السكّان، ولم يقم أيّ دليل على وجود عناصر من داعش في هذه الأبنية قبل أو وقت قصفها وتدميرها5.

كان الموت يحيط بالسكّان داخل المدينة، مترافقاً مع الحصار البرّي والجويّ لقوات التحالف تحت وابلٍ من القذائف الجوية والمدفعيّة ليلاً ونهاراً استمرّ لمدة تقارب خمسة أشهر، ولم يكن للسكان ــالذين تبقوا في المدينةــ من سبيل للخروج منها بعد تشديد الحصار وكثافة القصف. ليس هذا فحسب، بل كان تنظيم داعش يمنع الناس من الخروج من المدينة عبر القنص والألغام التي زرعها بشكل عشوائي في الطرقات، حيث تم قتلُ كثيرٍ من الذين حاولوا الهرب.

 كان المدنيون يُقتلون بصواريخ طيران التحالف، ويُدفنون تحت أنقاض الأبنية، وبقذائف مدفعية قوات التحالف أيضاً، وقذائف الهاون العشوائية التابعة لقوات سورية الديمقراطية، إضافةً إلى من يُقتلون على أيادي قنّاصي داعش وألغامها المنتشرة في طريق الهاربين، في عملية اشتراك غريب في القتل، يعبّر عنه بشكل محزن مقتل ثمانية عشر شخصاً من عائلة واحدة هي عائلة حشيش ــــ ربما يكون اللقب مستعاراً ــــ حيث تم مصرع 9 في ضربة جوية و7 جراء انفجار ألغام و2 بقذائف الهاون، وفق ما تمّ توثيقه من قبل منظمة أمنستي6.

مقابر جماعية في الحدائق والملاعب والساحات 

كان على المدنيين المحاصرين، فوق معاناتهم في التنقل بحثاً عن مكان آمن، أن يدفنوا قتلاهم تحت النيران، وبما أنّ الدفن في المقابر العامّةِ أصبح مستحيلاً، فقد لجأ الأهالي إلى دفن ذويهم وجيرانهم في الساحات العامة والملاعب والحدائق، وحتى في وجائب منازلهم على عجل، أما الذين قُتلوا بالقصف في بيوتهم فقد بقيت جثثهم تحت أنقاض المباني فترة طويلة لعدم توفر وسائل انتشالها، فأصبحت المدينة تعجّ بالمقابر الجماعية والفردية لأطفال وشيوخ ونساء ورجال مدنيين، وثَّقَت أسماءَ بعضهم كثيرٌ من المنظمات والأفراد، وبقي العدد الأكبر بلا توثيق.

ليس هناك إحصائية واحدة ودقيقة لعدد القتلى المدنيين في الرقة، لعدم توافر الحرية والمناخ الملائم للتوثيق الحقوقي الرصين، سواء أثناء سيطرة داعش، أو وقت هجوم التحالف على المدينة، أو بعد طرد داعش منها، ولكن من الثابت أن الحصيلة بلغت عدة آلاف، ففي حين أنّ منظمة العفو الدولية ومنظمة أيروورز قد توصلتا معاً، ضمن عمل ميداني وبحثي مشترك، إلى أنّ عدد الضحايا المدنيين نتيجة قصف التحالف الدولي وقوات سورية الديمقراطية، قد بلغ 1600 شخصاً وفق ما هو مبين في التقرير المؤرخ في 25/4/20197، فإنّ الشبكة السورية لحقوق الإنسان وثّقت مقتل /1133/ مدنياً على يد قوات التحالف الدولي و/308/ أشخاص مدنيين على يد قوات سورية الديمقراطية، كما هو مبيّن  في تقريرها الصادر في آذار 20198. وهذه الأعداد، رغم أنها لا تعبّر عن العدد الحقيقي للقتلى الذي يتجاوز هذه الإحصائيات بكثير، وفق ما نشره كثيرٌ من الناشطين الحقوقيين والإعلاميين، وما يتكشف يوميّاً من وقائع وجثث، فإنّها أعدادٌ ليست قليلة إنسانيّاً وحقوقيّاً، وهي مؤشرٌ على حجم الكارثة التي تعرضت لها المدينة.

كان أهالي الرقة يدفنون قتلاهم في الحالات الطبيعية في مقبرتين هما مقبرة حطين ومقبرة تل البيعة، وقد دُفن فيهما أيضاً ضحايا هجمات قوات النظام السوري الجوية والمدفعية، إبّان سيطرة فصائل المعارضة المسلحة عليها في آذار 2013 وكذلك بعد سيطرة تنظيم داعش على المدينة مطلع عام 2014 عبر القصف الجوي، الذي غالباً ما كان يستهدف المواقع المدنية بشكل عشوائي، إضافةً إلى القصف الجوي الروسي الذي بدأ بمساندة القوات السورية اعتباراً من عام 2015، إلّا أنّ المقابر الجماعية المنتشرة داخل أحياء المدينة، بدأت في التشكّل مع بدء هجوم قوات التحالف الدولي، وعدم مقدرة الناس على الوصول إلى المقابر العامة.

عند سيطرة قوات سورية الديمقراطية «قسد» على الرقة بدعم من التحالف الدولي، بدت الرقة مدينة مدمّرة، تفوح منها رائحة الموت والدماء والحرائق، ولمّا بدأ الأهالي بالرجوع تدريجيّاً إليها، تبين لهم حجم الكارثة متعددة الأوجه التي تعرضت لها، وكانوا يبحثون عن رفات أقربائهم تحت ركام المباني وفي الساحات والحدائق، وحتى في وجائب المنازل.

وقد قام المجلس المدنيّ الذي تم تشكيله من قبل قوات «قسد» بإنشاء فريق الاستجابة الأولية المخوّل بانتشال الجثث من مقابرها المتعددة داخل المدينة وعلى أطرافها، ومن أبرز تلك المقابر على سبيل المثال لا الحصر:

مقبرة ملعب ثانوية الرشيد: وسط المدينة خلف بناء القصر العدليّ، وقد تمّ العثور على 553 جثة بينها 25 سيدة و33 طفلاً، وقد تمّ تسليم جثّة 153 إلى ذويها بعد التعرف عليها.

مقبرة التاج: الواقعة قرب الجسر القديم في المنطقة الجنوبية من المدينة، والتي بلغ عدد الجثث فيها 402 بينها 62 طفلاً و36 سيدة و6 جثث لم يتم التعرف على جنسها، وقد تمّ تسليم 31 جثة لذويها بعد التعرف عليها. 

مقبرة الحديقة البيضاء: في حي النهضة وقد انتشل الفريق منها 33 جثة بينها 4 أطفال و 7 سيدات. 

مقبرة حديقة البانوراما: الواقعة عند المدخل الجنوبي للمدينة، وقد بلغت حصيلة الجثث فيها 793 جثة بينها 33 طفل و23 سيدة إضافة إلى 463 جثة تعود إلى مقاتلين من داعش. 

مقبرة الجامع القديم: عثر فيها على 94 جثة بينها 35 طفلاً و13 سيدة، تمّ تسليم 68 جثة إلى ذويها بعد التعرف عليه9.

مقبرة فخيخة: الواقعة جنوبي المدينة قرب معسكر الطلائع ضمن أرض زراعية، وتنقسم إلى قسمين متجاورين؛ القسم الأول بدأ العمل به في 9 كانون الثاني/يناير 2019، وتم انتشال أكثر من 750 جثة منه حتى منتصف شهر حزيران 2019، فيما تم البدء بانتشال الجثث من القسم الثاني بتاريخ 10 حزيران/ يونيو 2019 وفق ما أدلى به رئيس فريق الاستجابة الأوليّة ضمن تقريرٍ لصحيفة الشرق الأوسط، والذي يسود الاعتقاد لدى فريقه بأن العدد الكلي للجثث في الموقع بقسميه يتجاوز 3500 جثة10. وبذلك تكون هذه المقبرة أكبر مقبرة جماعية في الرقة، وتضمّ عدداً كبيراً لجثث من عناصر داعش، إضافة لأعداد أخرى من جثث المدنيين من الرجال والنساء والأطفال.

مقابر متعددة أخرى: تحتوي على جثث بأعداد أقل، واقعة في عدة أحياء داخل المدينة ربما يبلغ عددها العشرات من المقابر، وبقيت مقبرة كبيرة لم يتم فتحها حتى لحظة الانتهاء من هذا البحث وهي: مقبرة بين الجسرين.   

من الواضح أن القسم الأعظم من الجثث الموجودة في المقابر الجماعية يعود للمدنيين للذين قُتلوا إثر عمليات القصف الجويّ والمدفعيّ من قبل قوات التحالف الدولي وقوات سورية الديمقراطية، إلا أن هناك احتمالية وجود أنواع أخرى من الجثث لضحايا قتلوا أو اختفوا وخصوصاً من قتلتهم داعش ربما من المعتقلين والمختطفين الذين بدأ التنظيم بتغييبهم منذ منتصف عام 2013 ودفن جثثهم في المقابر الموجودة على أطراف المدينة، إضافة إلى أفراد من تنظيم داعش قتلوا خلال الاشتباكات مع قوات سورية الديمقراطية أو نتيجة الغارات الجوية لقوات التحالف الدوليّ، ويُعتقَدُ أنّ عدداً كبيراً منهم تمّ دفنه في مقبرة البانوراما، وأخيراً ربما يكون هناك أفراداً من الجيش السوري اعتقلهم التنظيم ثم أعدمهم. 

وقد وثّقت الشبكة السورية لحقوق الإنسان مالا يقلّ عن 4247 شخصاً من المختفين قسريّاً من أبناء محافظة الرقة، على يد مختلف الأطراف الفاعلة منذ عام 2011 وحتى آذار 2019، بينهم 1712 على يد قوات النظام السوري و2125 على يد تنظيم داعش و288 عل يد قوات سورية الديمقراطية و122 من قبل فصائل في المعارضة المسلحة.

وإذا كان من الثابت أنّ معظم المقابر الجماعية التي عملت عليها الشبكة السورية، قد تمّ إنشاؤها في العام الأخير لسيطرة تنظيم داعش على محافظة الرقة، فمن المستبعد قليلاً أن تضمّ هذه المقابر رفات أشخاص فُقدوا على أيدي قوات النظام السوري أو فصائل في المعارضة المسلحة، ويُعتقَد بوجود مقابر أخرى في المراكز العسكريّة التابعة للنظام السوري أو في مناطق أخرى11.

المختطفون لدى داعش والمصير المجهول

ونظراً للعدد الكبير من الأشخاص الذين اختطفهم تنظيم داعش ابتداءً من عام 2013 من شوارع ومنازل الرقة، وجلّهم من الناشطين المدنيين والسياسيين المناهضين بطبيعة الحال فكرياً وسياسياً لتنظيم داعش، والذين لم يُعرف مصيرهم منذ اختفائهم، وكون هؤلاء المغيبين لهم أهل وأصدقاء دأبوا على البحث عنهم والمطالبة بكشف مصيرهم، فإن داعش لم يكن يعير اهتماماً لأصوات أحد من هؤلاء، كما أنّ القوات التي سيطرت على المدينة وغيرها من المناطق التي كانت خاضعة لحكم داعش، لم تحاول الإجابة على أسئلة الناس عن مصير المختطفين لدى التنظيم، مع وجود عدد كبير من السجون التي كانت تابعة له، وعدم وجود ما يدلّ على بقائهم أحياء أو قتلهم من قبل داعش، أو بقصف قوات التحالف، لذلك فإن الكشف عن هويات الرفات في المقابر الجماعية التي تحدثنا عنها ربما يجيب على أسئلتهم في معرفة مصير هؤلاء المختطفين الذين شكّل عدد من أهاليهم جمعية باسم «تحالف أسر المختطفين لدى تنظيم الدولة الإسلامية ــ داعش» وترخيصها في فرنسا، وتهدف الجمعية إلى ضمّ كلّ عائلات المغيبين على يد داعش، ومحاولة معرفة مصيرهم سواء من خلال المطالبة بالتحقيق مع عناصر التنظيم المُحتجزين، أو من خلال الكشف عن هويات الجثث في المقابر الجماعية.

استخراج الجثث وتحديد هوياتها بين الواقع والمأمول  

يقوم فريق الاستجابة الأولية بانتشال الرفات من مقابرها بطرق بسيطة وبدائية، حيث يفتقر عناصره للخبرة في هذا المجال، ولم يسبق لهم الحصول على أية تدريباتٍ خاصّةٍ، وهم على الأغلب من العمال العاديين، يرافقهم طبيب شرعي واحد، ولا يستخدمون سوى وسائل الحفر التقليدية، وكانت كلّ الجثث التي تمّ التعرف عليها قد تمت معرفتها من خلال المقتنيات الشخصية والوثائق المتواجدة معها أو من خلال لباسها. كما يتمّ تمييز عناصر داعش من خلال اللباس والأسلحة التي بحوزتهم. ويوضع رقم لكلّ جثة على الكيس الذي توضع فيه ثمّ تدفن في المقابر العامة.

وفي ضوء الأعداد الكبيرة من الجثث التي تحدثنا عنها، فإنّ أكثريتها قد بقيت دون إمكانية لتحديد هويتها، والتي تحتاج إلى خبرات خاصّة، وطرق علمية ومخابر وفق ما تم التوصل إليه علمياً على المستوى الدّولي، كما تحتاج إلى موارد بشرية ومالية عالية، وجهد دولي كما حصل في مناطق أخرى من العالم مثل البوسنة ورواندا.

وتعتبر اللجنة الدولية لشؤون المفقودين ICMP مختصة في البحث عن المفقودين، وتحديد هوياتهم عبر فرق متخصصة من العلماء والأطباء الشرعيين والمخبريين وغيرهم، ولكنها لم تتدخل في الرقة التي تحتاج كما غيرها من المناطق السورية إلى جهدها وخبراتها للكشف عن ضحايا المقابر الجماعية والمفقودين الذين لا تكاد تخلو منهم إلا قليل من المدن والقرى السورية.

وقد تأسّست اللجنة المذكورة عام 1996 من أجل اتفاقية دايتون للسلام، التي وضعت حداً للصراعات في البوسنة والهرسك، وكان مقرّها بداية التأسيس في سراييفو عاصمة البوسنة، ثمّ بعد سنوات تمّ نقل المقر الرئيسي إلى لاهاي في هولندا.

ومنذ عام 2001 كانت اللجنة المذكورة أول من استخدم الحمض النووي كخطوة أولى في التعرّف على هويات أعداد كبيرة من الأشخاص المفقودين نتيجة الصراع المسلّح، كما في البوسنة والهرسك مثلاً، وأصبح لديها أكبر برنامج في العالم لتحديد هويّات الضحايا عبر الحمض النووي12

ويتم تحديد هوية الأشخاص عبر الحمض النووي على أكثر من مرحلة:

المرحلة الأولى: اكتشاف المقابر الجماعية والجثث، عبر التحقيق مع أهالي الضحايا أو الشهود أو بعض المشاركين في الجريمة، إضافة إلى صور الأقمار الصناعية، ثم يتم نقل الجثة لتنظيف العظام أو الأسنان وإعطائها رقماً سريّاً خاصّاً، وأخذ عيناتٍ صغيرةٍ منها من قبل الخبراء لإرسالها إلى المختبر لتحليلها وتحديد الحمض النووي، ليتم بعدها إدخال النتيجة إلى قاعدة البيانات الخاصّة بالجثة، وحفظ العظام بدرجة حرارة 20 تحت الصفر، ويتم أخذ عينات من دم أقارب الضحية، وتحليلها وتحديد الحمض النوويّ، وتحميل النتيجة إلى قاعدة البيانات.

المرحلة الثانية: مطابقة الحمض النوويّ بين عينات الدم المأخوذة من الأقارب، والعيّنات المأخوذة من الجثة، ولا تقبل اللجنة الدولية للمفقودين وفق عملها في البوسنة نسبة تطابق تقل عن 99.95 %، حيث يتم إصدار شهادة وفاة وتسلّم الجثة لذويها13.

وطالما أنّ استخراج الجثث من المقابر الجماعية بالرقة يتمّ بطرق ووسائل لا تنطبق على المعايير العلمية المعمول بها دولياً، وأنّ الفريق العامل على استخراجها يهدف فقط إلى كشف هذه المقابر ونقل جثثها، ودفنها في المقابر العامة، فإنّ تدخّل المنظمات الدولية المختصة ومنها اللجنة الدولية لشؤون المفقودين، وتوافر الموارد المادية والبشرية، يصبح ضرورةً لتحديد هويات الرّفات التي بلغ عددها الآلاف.

القانون الدولي ومسؤولية الأطراف الفاعلة

من الثابت من خلال ما تمّ بيانه، اعتماداً على تقارير حقوقية موثوقة، أنّ آلافاً من المدنيين قد قتلوا في الرقة، وأنّ جهاتٍ متعدّدةً قد اشتركت في إزهاق أرواح هؤلاء الناس، أثناء معركة طرد تنظيم داعش من المدينة، وأنّ الولايات المتحدة الأميركية ــــ قائدة التحالف الدوليّ ــــ عبر طيرانها ومدفعيتها، بالاشتراك مع الطيران الفرنسي والبريطاني بنسبة أقلّ، وكذلك قوات سورية الديمقراطية، من خلال مدفعيتها وأسلحتها الأخرى، قد قتلت عبر القصف الكثيف الذي استمر بحدود خمسة أشهر الأعداد المذكورة من المدنيين غير المقاتلين، واشترك تنظيم داعش في القتل من خلال الألغام التي زرعها في الشوارع والساحات، ومن خلال نيران القنّاصات. وقد دُفن العدد الأكبر من الضحايا في مقابر جماعية داخل المدينة وعلى أطرافها، ولم يتمّ التعرف على هويات القسم الأكبر منهم، ولا يُعرف كذلك إن كانت توجد بين الجثث في المقابر المذكورة جثثٌ لكلّ أو بعض الأشخاص المختطفين لدى تنظيم داعش. 

ويمكن تعريف المفقودين بأنّهم الأشخاص الذين لا تعرف أسرهم مكانهم، أو أُعلن عن فقدهم فيما يتصل بنزاع مسلح دولي أو غير دولي، وهو تعبير يشير إلى أناس موتى أو على قيد الحياة. وتحدّد اتفاقيات جنيف المؤرخة في آب/أغسطس 1949، وبالأخصّ الاتفاقية الرابعة، الالتزامات التي يتعيّن  على أطراف النزاعات المسلحة الدولية الوفاء بها في سبيل اتخاذ كل التدابير الممكنة لتوضيح مصير المفقودين، كما ينصّ البروتوكول الإضافي الثاني الملحق باتفاقيات جنيف عام 1977، الذي يكمل المادة الثالثة المشتركة التي تشمل النزاعات المسلحة غير الدولية، على حماية السكان المدنيين من الأخطار الناجمة عن العمليات العسكرية، بحيث لا يجوز أن يكون السكّان، أو الأشخاص المدنيون، محلّاً للهجوم (مادة 13). وكذلك فإنّ الكشف عن هويّات أصحاب الرفات ضرورةٌ إنسانيةٌ بالدرجة الأولى، وربما قضائية أيضاً.

 وطالما أنّ أشخاصاً ـــ كما تمّ بيانه ــــ قد فُقدوا في نزاع مسلح، ضمن حرب التحالف الدولي على الإرهاب في الرقة وغيرها من سورية، فإنّ مسؤوليةً قانونيةً بموجب أحكام القانون الدولي تقع على عاتق التحالف الذي يسيطر على المدينة بشكل مباشر، أو من خلال شريكه قوات سورية الديمقراطية، بحيث لا يجوز أن يقتصر الجهد على مجرد استخراج الرفات من مقابرها وإعادة دفنها، بل يتوجب عليه تأمين الموارد المادية والبشرية الازمة لكشف هويات أصحاب كل الرفات التي لم يتم التعرف عليها، وهذا مطلبٌ إنساني بالدرجة الأولى.

أما على الجانب الجنائي والقضائي، فإنه يمكن تقسيم الأمر إلى قسمين:

القسم الأول: يتمثّل في ضرورة تحقيق محايد وموثوق، يبحث في أفعال القتل التي مارستها قوات التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة الأميركية، وشركاؤها الدوليون والمحليون، بحق المدنيين أثناء الهجوم على الرقة، للقضاء على تنظيم داعش، وهي أفعال قد ترقى إلى جرائم حرب وفق التوصيف المعتمد في القانون الدولي الإنساني والقانون الجنائي الدولي المتمثّل بنظام روما الأساسي لعام 1998، الذي يعرّف جرائم الحرب في المادة الثامنة بأنّها الانتهاكات الجسيمة لاتفاقيات جنيف لعام 1949 إذا وقعت ضدّ الأشخاص أو الممتلكات، ومنها: القتل العمد ــــ إلحاق تدمير واسع النطاق بالممتلكات دون أن تكون هناك ضرورة عسكريّة تبرّر ذلك ــــ تعمّدَ توجيهَ هجماتٍ ضدّ السكان المدنيين بصفتهم هذه، أو ضد أفراد مدنيين لا يشاركون مباشرةً في الأعمال الحربية ــــ توجيه هجماتٍ ضد مواقع مدنية أي المواقع التي لا تشكّل أهدافاً عسكرية ــــ تعمّد شن هجوم مع العلم بأنه سيسفر عن خسائر تبعيّة في الأرواح ــــ مهاجمة أو قصف المدن أو المساكن أو المباني العزلاء التي لا تكون أهدافاً عسكرية بأيّة وسيلة كانت؛ وتُساوي المادة المذكورة في جريمة الحرب بين النزاع المسلح الدولي وغير الدولي.

ورغم صعوبة محاكمة المسؤولين الأميركيين أو شركائهم الدوليين عن الجرائم المؤدية لمقتل المدنيين، كون الجانب السياسي يطغى على الجانب القانوني غالباً في المحاكمات الجنائية الدولية، ونظراً للموقع الذي تشغله هذه الدولة كأقوى دولة في العالم، وكعضوٍ دائمٍ في مجلس الأمن الدوليّ، إلا أنّ من حق المتضررين وقوى المجتمع المدني، وكل من يؤمن بالحق والقانون، أن يحاول ما بوسعه في طريق العدالة الشائك.   

أما القسم الثاني فيتمثّل في التحقيق مع موقوفي داعش لدى قوات التحالف وقوات سورية الديمقراطية وخاصّةً العناصر القيادية منها، حول موضوع المختطفين الذين كانوا في سجون التنظيم، لمعرفة مصيرهم، إن كانوا على قيد الحياة، أو أنّ التنظيم قد قتلهم، أو أنّهم قد قتلوا في السجون نتيجة قصف قوات التحالف الجوي أو المدفعي، وأنّ بعضهم ربما يكون ــــ في الحالة الأخيرة ــــ قد دفن في المقابر الجماعية التي نتجت عن هجوم قوات التحالف الدولي.

ويلاحظ رغم مرور ما يقارب سنتين على طرد تنظيم داعش في المدينة، أنّ التحالف الدولي يقتصر في تحقيقاته مع من تمّ القبض عليهم من عناصر وقيادات داعش على موضوع مكافحة الإرهاب، والانتماء إلى التنظيم المذكور، دون إعارة اهتمام بالتحقيق في موضوع الجرائم التي ارتكبها هؤلاء بحق المدنيين، وبالخصوص المختطفين منهم، وهي جرائم ترقى إلى أن تكون جرائم ضد الإنسانية.

وإذا كان داعش مسؤولاً عبر عناصره عمّا يخصّه من قتل المدنيين وتغييبهم عبر الخطف، ويتوجب محاكمة هؤلاء العناصر على جرائمهم، وإذا كان التحالف الدولي مسؤولاً عن القتل الذي قام به في معرض هجومه على التنظيم، فإن تلك المسؤولية تقتضي مسؤوليّة مدنية أخرى تجاه أهالي من قتلتهم هذه القوات، وتم دفنهم في المقابر الجماعية والفردية في الرقة، من خلال التعويض الماليّ الذي تتحمله الدول والأطراف المشاركة في إزهاق الأرواح، يتساوى في ذلك كون الفعل مقصوداً أم عرضيّاً وفقاً للقواعد والقوانين والأعراف الدولية.

لم يعترف التحالف الدولي إلّا بقتل 159 مدنياً خلال الهجوم على الرقة، وهو رقم صغير لا يشكّل أكثر من 10% من الإحصائيات بحدّها الأدنى الذي تمّ توثيقه من قبل منظمات دولية منها منظمة العفو الدولية14، ومع هذا لم تقم دول التحالف الدولي المذكور وبالتحديد الولايات المتحدة، بأية خطوة تجاه عائلات القتلى، أو الاعتذار عن أفعالها تجاه الضحايا في سورية تجنباً لأي مسؤولية، وهي فعلت ذلك على استحياء في حالات قليلة من التعويض المالي في مناطق أخرى من العالم كأفغانستان والعراق، تحت اسم الهبة أو التعويض العاطفي أو تعويض تعزية قدمتها وزارة الدفاع الأميركية، بموجب سلطة مالية ممنوحة لها من القوانين الأميركية، دون اعتراف بأي التزام قانوني15، والمسؤولية هنا ليست مسؤولية وزارة الدفاع فحسب، بل هي مسؤولية الدولة الأميركية أو البريطانية أو الفرنسية بصفتها الاعتبارية، لأنها بالنتيجة مسؤولة عما يفعله جنودها ومسؤولوها بالمدنيين دون وجه حق.

الخاتمة والتوصيات 

كغيرها من المدن والبلدات السورية، تعرضت الرقة لأذىً كبير ساهمت فيه أطرافٌ متعددةٌ بداية من نظام الأسد، مروراً بتنظيم الدولة الإسلامية «داعش»، وانتهاءً بالتحالف الدولي لمحاربة داعش وشريكه قوات سورية الديمقراطية، وكانت نتيجته دماراً غرائبياً لأبنية المدينة وبنيتها التحتيّة، جعلها تشبه مدينة درسدن الألمانية إبان الحرب العالمية الثانية، وكذلك قتلاً للآلاف من المدنيين وتغييبهم في مقابر جماعية داخل المدينة وخارجها، بحيث لا تمييز في رفات الضحايا التي ضمتها تلك المقابر بين من قتلهم داعش بالسكاكين أو الألغام أو رصاص القنّاصات، ومن قتلتهم قوات التحالف الدولي وقوات سورية الديمقراطية بواسطة قصف الطيران أو المدافع... مقابر تحوي جثثاً بلا هوية، ينتظر أقرباؤها من يساعدهم على التعرف عليها ودفنها، كحقّ إنسانيّ تعترف به كلّ القيم والأعراف والقوانين، كما ينتظرون عدالةً تنصفهم وتعيد جزءاً من حقوقهم، بعد أن غادرهم ظلماً أبناء وأحبة وأصدقاء.

لذلك، وبعد هذا العرض للجوانب الواقعية والقانونية وأدوار الأطراف المختلفة في قتل مدنيي الرقة والمغيبين في المقابر الجماعية، فقد توصلنا إلى التوصيات التالية:

- الاعتراف العلني من قبل الولايات المتحدة وشركائها في التحالف الدولي بإزهاق أرواح المدنيين بالرقة خلال العملية العسكرية ضد داعش.

- إجراء تحقيقات نزيهة وحيادية من قبل الولايات المتحدة الأميركية وكذلك الأمم المتحدة تظهر حقيقة قتل المدنيين وأعدادهم ومدى الدمار في المدينة. 

- وضع برنامج لتعويض أهالي الضحايا المدنيين الذين قُتلوا خلال الحرب على تنظيم داعش.

- إجراء تحقيقات جديّة مع المعتقلين من قياديي وعناصر داعش حول الجرائم التي ارتكبها التنظيم بحق المدنيين في الرقة وفي كل المناطق التي كان التنظيم يسيطر عليها في سورية، ومعرفة مصير المختطفين الذين كانوا في سجون التنظيم.

- تأمين الأمم المتحدة ودول التحالف التي تسيطر على الرقة وبقية مناطق الشرق السوري الموارد البشرية والماديّة اللازمة للتحقّق من هويات الرفات المستخرجة من المقابر الجماعية داخل المدينة وخارجها، بما فيها الهوتة، تحت إشراف اللجنة الدولية لشؤون المفقودين.

*****

مراجع البحث

  1. اتفاقيات جنيف الأربع لعام 1949.
  2. البروتوكول الإضافي الثاني الملحق باتفاقيات جنيف الصادر عام 1977.
  3. نظام روما الأساسي لمحكمة الجنايات الدولية لعام 1998.
  4. تقرير منظمة العفو الدولية ــ أمنستي، الصادر بتاريخ 23/آب 2017 برقم وثيقة /6945/ 24 MDE بعنوان: لن أنسى هذه المذبحة ــ مدنيون محاصرون في معركة الرقة، منشور على موقع المنظمة.
  5. أخبار الأمم المتحدة، إحاطة منسق الأمم المتحدة أمام مجلس الأمن الدولي بتاريخ 17 نيسان 2018، موجودة على موقع الأمم المتحدة.
  6. تقرير منظمة العفو الدولية ـ أمنستي، الصادر برقم وثيقة 2018/8367/24 MDE تاريخ 5/6/2018 بعنوان حرب الإبادة ــ  خسائر فادحة في صفوف المدنيين بمدينة الرقة، منشور على موقع المنظمة.
  7.  تقرير منظمة العفو الدولية ومنظمة أيروورز المؤرخ في 25/4/2019، منشور على موقع منظمة أمنستي.
  8. تقرير الشبكة السورية لحقوق الإنسان الصادر بتاريخ 28/3/2019 بعنوان: تحديد هوية الجثث في المقابر الجماعية في الرقة مسؤولية دولية، منشور على موقع الشبكة.
  9. صحيفة الشرق الأوسط، تقرير ميداني بعنوان: المقابر الجماعية في الرقة تكشف صعوبة التعافي بعد الحرب، مؤرخ في 18/6/2019 رقم العدد/14812/، منشور على موقع الصحيفة.
  10. عمرو السرّاج، الهيئة السورية للعدالة الانتقالية، تجربة العدالة الانتقالية في البوسنة والهرسك، آب 2014، منشور على موقع الهيئة.
  11. أحمد ابراهيم، الهوتة ـ شهادة حية، منشورة على موقع الجمهورية.
  12. جوناثان نابولي ميتشل ـ مقال بعنوان: سياسة وزارة الدفاع الجديدة بشأن تعديل الاحتياجات لمعالجة فجوة الشفافية ـ جزء من مشروع بحثي ـ منشور على موقع منظمة هيومن رايتس ووتش على موقع المنظمة.