النزوح داخل النزوح

 

باتَ الطريق إلى قرية أطمة شمالي إدلب، وما يحيط بها من مخيمات، معروفاً لسوريين من مختلف المحافظات؛ ملاذ غير آمن، مؤقت، تحوَّلَ بفعل الزمن والتكرار إلى مكان مألوف، قبل أن يصبح وطناً يجلس فيه النازحون على حقائبهم قبل أن يفكّوا أقفالها رويداً رويداً.

ليست أطمة سوى مثال لمناطق كثيرة أغلبها يستظلّ بالشريط الحدودي، حول الدانا وسرمدا وحارم ودركوش...

حقائب مهترئة

يغلب على البدايات المجهولة حالة من الاقتناع بوجود حلّ يمكن تصنيفه تحت بنود كثيرة، (الأمل - النصر – الترقب)، قبل الوصول إلى مرارة الخسارة.

يتعلق الأمر هنا بالطريقة التي فُرِضَت على السكان لإخراجهم من أماكنهم التي سكنوها ويملكونها منذ زمن يصعب تحديده، ولن نفلح، بسبب اختلاف الأشخاص ومناطقهم، في تأصيل مسقط الرأس، إلا أن رجالاً مسنين وجدوا أنفسهم أطفالاً في ذاك المكان الذي تم تهجيرهم منه، كذلك آباؤهم وربما أجدادهم.

معظم الذين أُجبروا على ترك أماكنهم لم تكن لديهم رفاهية الوقت للمفاضلة على البقاء من جهة، وكذلك الوجهة التي سيسيرون إليها، ما الذي سيحملونه معهم في رحلتهم (القصيرة)، قائمة الأولويات التي ستحتويها الحقائب، الكراتين، أكياس الخيش.

في جو مشحون بعصبية الرجال خشية التداعي أمام أقرانهم وعائلاتهم، يصبح التدخين ملجأ ورسالة مفادها تجنب الحديث في شؤون هي أصغر بكثير مما يجب علينا مناقشته. تترك السيدات في بيوتهنّ كل شيء مرتباً، كثيرات منهنّ قمنَ بتنظيف هذه المنازل قبل مغادرتها استعداداً لعودة لن تطول، وربما ستحمل معها ضيوفاً من مكان ما. كذلك تركت بعضهنَّ أغلى ما يملكنَ من أواني منزلية، يستخدمنها كـ «تمائم» لحراسة المكان ودليل ملكية يوقظ الذاكرة.

الوصول إلى بيت مضيف في مكان ما من الشريط الحدودي يمثل «الفندق الأول» الذي تزوره هذه العائلات، يشعرون بالحرج ويحاول المستضيفون ثنيهم عن ذلك بالسبل كافة، دون جدوى.

لا تُفتَح الحقائب في بيوت المستضيفين، يعيش السكان بأثوابهم التي يرتدونها، لا حمامات ساخنة، ودون رفاهية الغسيل الأبيض على الحبال، يأكلون بيد قصيرة ما يُقدَّم لهم، ويضبطون أولادهم بقسوة.

أيام قليلة لا تتعدى أصابع اليد الواحدة تفصل بين البقاء في المكان الأول والثاني، الخيمة أو أي منزل مستأجر يشعر فيه الوافدون الجدد ببعض الحرية التي لم تكن ضمن قوائم ما حملوه معهم. تصبح الخصوصية مقياساً جديداً لحياتهم الجديدة أيضاً. في طرف الغرفة أو الخيمة على حد سواء، تتوزع الحقائب المنهوبة بعد فكّ أقفالها متخلية عن ترتيبها الأول لتوضع فيها الأشياء كيفما اتفق، ويغدو البحث عن جورب مهمة صعبة قبل أن تألفَ العائلات مكان وجود كل شيء في هذه الفوضى العارمة.

تتداخل الألبسة فيما بينها، الرجال والنساء والأطفال معاً في حقيبة واحدة، وتظهر حالة من الضيق إلى الدرجة التي يغدو فيها السؤال الدائم قبل النوم، كيف كانت تسعنا جميعاً؟

الخيوط البيضاء التي رَتقت تلك الحقائب، بقايا اللاصق البني على الكراتين، الخيطان الغليظة التي ربطت الأكياس بألوان مختلفة تخبرنا عن عدد المرات التي اضطر فيها السكان للرحيل من المكان، وفي كل مرة تُبقي سيدات المنازل بعضاً من «تمائمهنّ» في المكان، أملاً في استقرار لم يحن أوانه.

نازح: مرة، مرتين، ثلاثة...

تحولت مفردة النزوح في قواميسنا اللغوية إلى دلالة جديدة لتحل مكان (المدينة - البلدة -القرية)، غالباً لا تحتاج إلى «مضاف إليه» لتوضيح الغموض، وذلك بسبب تشابه المصير ووحدته بين معظم السكان، إذ يمكن إطلاق هذه اللفظة القاسية على معظم السكان في الشمال السوري، باستثناء سكان بعض القرى والبلدات القليلة، الذين عانوا نزوحاً مؤقتاً.

ستُهمَل هذه المفردة بعد وقت من الزمن، هي الأخرى بدأت تضيق بنفسها. لا يُعرِّفُ أبناء الحي نفسه عن أنفسهم، هم معروفون بفعل الزمن والذاكرة، اللهجات تحدد المكان الأول، ما عدا ذلك تتشكل لغة جديدة بمفردات واحدة تَسِمُ المكان الذي يعيشونه.

ما حدث ليس جريمة تهجير قسري فحسب، هو عملية اقتلاع بالمعنى الحقيقي، خاصة وأن علينا البحث عن مفردة تختصر، على سبيل المثال، من هُجِّرَ قسراً من حمص إلى معرة النعمان، ثم مرة أخرى إلى قرى جبل الزاوية، ثم إلى مكانٍ ما من قرى أقصى الشمال السوري، مخيم عشوائي، منزل مستأجر، خيمة جديدة.

في جعبة معظم العائلات حكايات عن نزوح متكرر، غالباً لا يقف عند الرقم ثلاثة بل يفوقه بضعف أو أكثر، وكل منها يشكل حالة من الاقتلاع تحمل مرارة ومعاناة جديدة، يصبح فيها التهجير الأول محض ذاكرة تتفلت من بين أصابع العائلات وتضيع معها الأرقام والحسابات وعدد الغرف والنوافذ التي تركوها، وربما تنسى السيدات في أي من هذه المكائن تركنَ تمائمهنّ.

يُشبّه أحدهم ما يحدث، مع فارق في القدرة على الحياة، بحياة الشرطي سابقاً؛ هو دائم التنقل بين مدن وقرى كثيرة، بحيث لا يمكن بناء علاقة دائمة مع المكان قبل تغييره، وعليه وعائلته الاعتياد على ترقب انتقال جديد.

في حالة طفولية، يذكرنا أحد الشباب بمسلسل كرتوني فيه لاعب كرة قدم يدعى ياسين، يقول إن والده كان يعمل رساماً ما أجبره على الانتقال بين المناطق، ودفعه للاحتفاظ بالكرة كصديق يمكن من خلاله إيجاد صداقات في كل مكان يرحل إليه، صداقات مؤقتة مقابل الكرة كصديقة دائمة. يسأل نفسه، دون أن يجيب، عن شيء آخر يشبه الكرة ليكون بمثابة صديق دائم، يمكن من خلاله بناء صداقات مؤقتة وعلاقة مع المكان في هذه النزوحات المتكررة؟

بحسب أرقام فريق منسقو استجابة سوريا عام 2018، فإنه من بين ما يزيد عن أربعة ملايين ونصف المليون شخص في إدلب ومحيطها من أرياف حماة وريف حلب الغربي، 1.2 مليون شخص فقط لم يعيشوا تجربة النزوح الدائم، إلا أن أغلبهم عاشوه لفترات متقطعة، وخسروا خلال هذه السنوات عدداً من أبنائهم وأقاربهم في رحلات اللجوء إلى تركيا والاتحاد الأوروبي. نزح قسم كبير من سكان هذه المناطق خلال السنوات اللاحقة، نتيجة الحملات العسكرية الخمس التي شهدتها من تشرين الثاني (نوفمبر) 2018 حتى آذار (مارس) 2020.

تلك السمة، نازح، التي وسمت من يعيش في المنطقة، تتفرع إلى سمات أكثر قسوة، بين نزوح «داخلي» و«خارجي»، والمقصود بالنزوح الداخلي هنا هو ذاك الذي حدثَ من أبناء قرى ومناطق مجاورة، وعلى مراحل كان أكبرها في العام 2019، إذ وصل عدد النازحين إلى ثمانمائة آلف شخص تقريباً، لم يكن بعضهم ينزح للمرة الأولى أيضاً.

النزوح الداخلي ذاته انقسمَ إلى تهجير ونزوح، مع خسارة عدد كبير من القرى والبلدات والمدن خلال العامين الماضين، لينضم سكّانها إلى المهجرين قسراً من مناطق خارج إدلب وريف حلب، الذين اقتلعوا من بيوتهم على مراحل كان العام 2018 أقساها على الإطلاق، بتهجير أعداد من أبناء دمشق وريفها وحمص وحماة ودرعا والقنيطرة وبعض المناطق الشرقية من سوريا، ويزيد عددهم عن مئة وثلاثين ألف شخص وفق إحصائيات منسقو الاستجابة.

لا يرتبط النزوح وفق المفهوم السوري بالأمان ولكن بالاتساع والماء، ووفق هذا ينهار مفهوم النزوح بمعناه اللغوي والاصطلاحي: «ترك الشخص منطقته ليستقرّ في مكان آخر لأسباب عديدة منها اقتصادي أو سياسي أو اجتماعي»، ليأخذ شكله الجديد: «أقرب المناطق التي يمكن الوصول إليها هرباً من الموت». لا توجد حدود واضحة نصل إليها لمفهوم «الاستقرار»، كل الأماكن تكون عرضة للموت في لحظة معينة، وهو ما شكَّلَ المفهوم الجديد والاستعداد لصفة النازح مرات كثيرة، وفي كل مرة كان النزوح يحمل معه أعداداً جديدة. يبدو المشهد كسيلٍ يبدأ من قمة جبل قبل أن يجرف في طريقه كل شيء وشخص.

نَزحَ البئر (قلَّ ماؤه أو نفد)

«نفد» هي الكلمة المناسبة اليوم لما يزيد عن مليوني نازح يعيشون في المناطق خارج سيطرة النظام من إدلب ومحيطها، يمكن تصنيفهم لاحقاً ضمن إحصائيات ستحدد هوياتهم الجديدة، أما ما «قلّ ماؤه» فهي صفة تنطبق على من لا يزالون يجلسون على حقائبهم، في قرى جبل الزاوية وصولاً إلى أريحا، بعد أن تحولت الأخيرة إلى خط جبهة للقتال؛ يعود سكان هذه المناطق موسمياً لقطاف محاصيل أشجارهم، وتَفقُّدِ منازلهم المهدّمة، وشحن عاطفتهم، والخلاص لأيام من حالة الخيام ولفظ النازح، قبل أن يفكروا جدياً بعودة مضطرة ربما يتبعها نزوح آخر مع كل استهداف جديد.

هناك مفردات تتفلّتُ من أصحابها دون أن يعرفوا أنها ستكون خالدة يوماً. يخبرنا أحدهم في جبل الزاوية إنه وبعد عودته إلى منزله، من خيمة ما زال يحتفظ بها ويزورها خوفاً من فقدانها، قرَّرَ أن ينام كل يوم في غرفة من غرف منزله الواسع. أخبرنا أنه نام في كل زاوية لساعات، حتى في صالون البيت المكشوف رغم البرد القارس. لا يملك الرجل تفسيراً آخر سوى المساحة التي تُشعِره بالحرية بعيداً عن ضيق الخيمة، ويترك لنا حرية البحث في الأسباب الكثيرة التي تُغرِقُ بتفاصيلها حياتنا، ولعل أهمها «مسقط الرأس» الذي يشعرك بقدرتك على المشي عارياً في مكان هو لك، وبالأمان الذي يحيط بك من الاتجاهات كافة، الأكل بِحرية وكذلك النوم والاستحمام، الحب أيضاً والصراخ.

لا يمكن أن نسمي ما يحدث «تَنقُّلاً»، هو ليس كذلك مطلقاً بالنسبة لمن نفد ماء البئر الذي يعيش فيه، أولئك لا يمتلكون القدرة على العودة الجزئية ولو لأيام فقط، ما يبقيهم على قيد الحياة صور أطفالهم والحلم بالعودة، وفي طريق الترقب هذا ينقسمون بين يائس قرَّرَ أن يفرد جميع حقائبه، وآخر يبحث عن مكان أكثر اتساعاً علّه يشعر ببعض من «مسقط رأسه» القديم.

*****

ليست إدلب وحدها في «النزوح داخل النزوح»، لكنها المثال الأكثر وضوحاً، وذلك لأسباب عديدة أهمها أنها لم تشهد طوال السنوات العشر الماضية ما يشبه الاستقرار لمدة تزيد عن أشهر قليلة، وحالها في هذا لا يشابه حال مناطق أخرى في البلد، بما في ذلك مناطق ريف حلب الشمالي الخارجة عن سيطرة النظام، التي لم تشهد معارك تسببت بنزوح أو تهجير قطاعات من أبنائها منذ العام 2016 بالنسبة لمناطق ريف حلب الشمالي الشرقي، ومنذ العام 2018 بالنسبة لعفرين، لكنها شهدت نزوحاً كبيراً إليها، إذ يبلغ عدد سكانها اليوم أضعاف أضعاف ما كان عليه في العام 2011، خاصة في جرابلس واعزاز.