الملفات

ما الذي يفعله الكتّابُ زمنَ الحرب؟

يحاول ملف الجمهورية هذا، «عن الكتابة ومشاغلها»، الإجابة على جوانب مختلفة من هذا السؤال، إجابة تتعدد وتختلف بتعدد كتّاب الملف، وبتعدد الزوايا التي يتناولون الموضوع من خلالها، وبتعدد تجاربهم وخلفياتهم وآمالهم ومخاوفهم وهواجسهم.

قد تكون الكتابة، في أحد معانيها، نفياً للحرب وما تحمله: أليست الكتابة، في جوهرها، حواراً مع القارئ، قبل كل شيء؟ والحوار، هو حوار متساوين أمام سلطة العقل والروح: أن تسمع وتنصت وتناقش وتحلل وتتفكر فيما يقوله الآخر، بقلب مفتوح وذهن صافٍ. ولكن، أيضاً، تبدو الكتابة عاجزةً تماماً أمام حرب ضروس لا تلوح في الأفق نهايتها: عاجزةٌ الكتابة، والعاملون في الكتابة لا يُسمَع صوتهم عندما يعلو صوت المعركة.

لا يسعى الملف إلى الإجابة الدقيقة الحاسمة على أسئلة الكتابة، بقدر ما يسعى إلى إثارة أسئلة وهموم وهواجس لم تتح لها الفرصة أن تظهر على السطح بسبب عنف اللحظة ودمويتها. ولكننا هنا نريد أن ننتشل ما هو غارقٌ في أعماقٍ غير مرئية، ليصبح مفتوحاً للنقاش ومعرّضاً للهواء والقلق والمجهر النقدي.

في الملف الثاني في الجمهورية، ننشر «شهادات نساء» عن الحرب السورية. في كل من هذه الشهادات قصة شخصية مكتوبة أو مسجلة لنساء عمّا حدث ويحدث في سوريا اليوم. 

لا ندّعي هنا أن مجموع القصص يقدّم رؤية شاملة أو نموذجية عن وضع المرأة في الحرب، كما أننا لا نركّز على مآسي الحرب وويلاتها فقط. في هذه القصص تأملات عن الدين والحرية، وعن الحرب وآثارها، وعن الماضي والمستقبل في سوريا، وغيرها من العناوين. ما نريده من هذا الملف الصغير هو أن نسهم في النقاش الدائر، عن طريق هذه القصص المختلفة، حول دور المرأة في الحرب، وأثر الحرب عليها، والنقاش حول النسوية في سوريا، وغيرها من الأسئلة؛ علّ «شهادات نساء» تكون مفتاحاً لفهم أعمق لهذه الأسئلة. 

ستنشر الجمهورية، في هذا الملف الذي يعدّه عدي الزعبي، مقالاً أسبوعياً لمدة ستة أسابيع، ويبدأ مع مقال «عن سجينات عدرا المنسيّات» لـ ميسا صالح.

يسعى الملف إلى طرح أسئلةٍ نظرية حول مفهوم اليسار وعلاقته بالحرية، بالإضافة إلى أسئلة أخرى عن اليسار العربي والأوروبي، وغيرها من المواضيع. 

نأمل أن يساهم هذا الملف في صياغة أجوبة على أسئلتنا الراهنة الصعبة والمحرجة. كيف يكون المرء يسارياً في هذا الزمن؟ ما الذي يعنيه هذا بالضبط؟ وما الذي يميز اليسار التحرري عن يسار الطغيان، اليسار الستاليني الذي يحتفي بستالين وماو، ويدافع عن طغاة العالم الثالث، العرب وغير العرب؟ ما هي علاقة اليسار بالحرية؟ وهل اليسار بالضرورة مع أو ضد الحرية، وبأي معنى؟ هل يقدّم اليسار أجوبةً وحلولاً لمشكلاتنا الراهنة، مع النفق الذي دخله الربيع العربي، ومع سيادة الثورات المضادة، في مصر مثلاً؟ وغير ذلك من أسئلةٍ تحتاج إلى إجابات.

نسعى، في النهاية، إلى الوصول إلى مفهومٍ منفتحٍ ليسارٍ تحرري يبني نفسه من تحت، من حياة الناس العاديين ومن همومهم ومشاكلهم، لا من فوق، من أحزاب وبنى دولتية تفرض نفسها على الناس. هذه مهمة صعبة وشاقة، نأمل أن يكون ملفنا خطوةً في تحقيقها. 

ربما يمكن تعريف السياسة بأنها فن إدارة الحتميات وتوسيع فتحات التحرر، ما يعني أنه ليس هناك أوضاعٌ تستحيل السياسة فيها تماماً. وإذا كان صحيحاً أنه ليست كل الأوضاع ملائمةً لعملٍ سياسي مؤثر بالقدر نفسه، فإن أوضاع الحرب والانكشاف الواسع لمجتمع السوريين، ربما تكون في الوقت نفسه فرصةً لتفكّرٍ جذري في السياسة والمجتمع والتنظيم السياسي، والثورة.

في مثل شروطنا المعلومة، شروط الثورة المحطمة، هل يمكن ألا تكون السياسة ثورية؟ يبدو أن مشكلة المعارضة التقليدية، تنظيمات منفردة وائتلافات، هي بالضبط أنها قوىً غير ثورية، قديمةٌ وشائخةٌ في أفكارها وصيغ تنظيم عملها وسياستها، وعاجزةٌ عن التجدد.

لكن ما معنى سياسية ثورية؟ ولماذا يبدو أن تجمعاتٍ سياسية جديدة ظهرت بعد الثورة تمارس السياسة من فوق، انطلاقاً من أفكارٍ وتصوراتٍ وحساسياتٍ لا جديد فيها، وتبدو حياتها مستقلة عن عمليات الثورة وصراعاتها؟ وهل أن السياسة الثورية تُقاطع، مثلاً، المعارضة التقليدية ومساحات العمل الضيقة المتاحة لها؟ وكيف يمكن اجتناب الوقوع في أسر نزعةٍ تطهريةٍ منعزلةٍ عن الشروط الفعلية للنشاط السياسي؟

المنفى، مع دخول الثورة السورية عامها الخامس، يشكل أبرز عناوين السوريين. لا يستطيع السوري، اليوم، أن يفكر بنفسه دون منفى. لكل منا قصة وحكاية: البعض لم يغادر، إلا أنه يعيش منفاه في الداخل؛ والبعض غادر ولم يقبل المنفى؛ وآخرون قبلوا المنفى ولكنه لم يقبلهم. أصدقاؤنا وعائلاتنا تتوزع في جهات الأرض الأربع. يختلط الخارج والداخل والهوية والغربة والشرق والغرب والشمال والجنوب في قصص لا تني تكبر كل يوم.

للمنفى وجوه متعددة ومعانٍ مختلفة، ولكننا سنركّز على الشخصي والخاص. لم تحقق الثورة أهدافها بعد، إلا أنها فتحت باب الكلام الذي كان موصداً في مملكة الصمت. نريد أن يسمع السوريون بعضهم بعضاً، وأن يتفكروا في أحوالهم وأشجانهم وآمالهم ومخاوفهم.