دار نشر هُنَّ: الكتابة النسوية من صخب القاهرة

 

تحتاج عجلة الإبداع إلى من يحتويها، من يساعدها على النهوض ثم الاستمرار، تحتاج إلى سياسات ثقافية تمنح فرصاً عادلة للجميع وأحقية للأجدر أدبياً ضمن حساسية جندرية قادرة على ردم الهوة الكبيرة بين النتاج الأدبي من قبل الرجال والآخر من قبل النساء، وتحتاج إلى مشاريع تضمن استمرارية الإنتاج الثقافي الأدبي الذي تنتجه النساء وألا يكون فورة تمويل أو منح قصيرة الأمد، ولكن وضمن هذه الاحتياجات تُطرح أسئلة جديدة، وفي مثالنا هنا هي أسئلة عن نتاج أدبي نسائي ذو أبعاد بطريركية أبوية، يجعلنا نسأل عن أهمية الدفاع عن التفرقة بين الكتابة النسائية والكتابة النسوية، فحين ندافع عن الكتابة النسوية والتي لا تفرق بين جنس الكاتب في حين أنها تقدم نصاً ينتمي فكرياً إليها، فإننا نناقش نمطاً من الكتابة والتفكير، ولا نناقش الكاتبات النساء على مظلوميتهن في عالم الأدب.

وبالتالي فإن البحث عن سياسات حكومية ثقافية واضحة في هذا الإتجاه في بلادنا هو أمر متعب ومرهق وتكاد تكون صورته قاتمة فعلاً، فإن النظر إلى تجارب رائدة ومختلفة هو إضاءة على حراك يقوم على مستوى الساحة الثقافية من الفاعلات/ن الثقافيات/ن أنفسهن/م، ومن هذه الفكرة كان اللقاء مع الأديب رجائي موسى والناشطة النسوية هند سالم، مؤسسا دار نشر هنّ. كونها دار نشر نسوية هي تجربة فريدة في العاصمة المصرية القاهرة وعلى الصعيد العربي، وقد قدمت خلال ثلاث سنوات هي عمرها الكثير من النشاطات النسوية المختلفة، بالإضافة طبعاً لإتاحة المجال أمام الكاتبات النسويات والكتاب النسويين لنشر أعمالهن/م.

 

فكرة وتاريخ الدار؟

بدأت الدار عملها في آب 2017، وتعود جذور الفكرة مع الكاتب رجائي موسى إلى لحظة لطيفة مع رواية أن تقرأ لوليتا في طهران للكاتبة الإيرانية آذار نفيسي، التي ذكرت زيارتها لدار نشر نسوية في باريس في السبعينات، كانت تلك الجملة فكرة مغرية، خاصة مع السياق العام في مصر والتراجع الثوري الذي جعل شكل الحياة مغلقاً، بحيث كان من الضروري البحث عن طريقة للعيش داخل القاهرة، وهكذا كانت ولادة «دار نشر نسوية في القاهرة». 

بعد اختمار الفكرة كان لابد من البدء بالخطوات العملية، وأولها كانت البحث عن مكان مناسب في القاهرة، والمناسب يعني أن لديه صفات خاصة: شكله مقبول دون أن يكون مترفاً، وأيضا ألا يكون ذكورياً في عمارته، كما عبر موسى عن ذلك:

إيه يعني عمارة نسوية مش ذكورية، يعني ميكونش حاجة اسمنتية، ميكونش معتم وأطرافه حادة جدا، مش مريح نفسيا 

في النهاية استطاع رجائي موسى وهند سالم أن يجدا ضالتهما في بيت قديم سقفه عالٍ وأبوابه واسعة، ذو طراز عمارة بلجيكية ومبني كله من الآجرّ، وهكذا انطلقت الدار إلى الحياة في مكان حميميّ يُشبهها.

 

دار نشر ومركز ثقافي

سوق الكتاب العربي هو سوق صعب، خاصة مع ارتفاع أسعار الكتاب الورقي بطريقة تجعل من الصعب تحول شرائه إلى حالة روتينية لدى فئة واسعة من متوسطي الحال، الأمر الذي جعل الكتاب الإلكتروني حلاً مناسباً، والطبع لا يمكن نسيان حالات القرصنة الإلكترونية التي تكسر دائرة العرض والطلب على الكتاب الورقي، الأمر الذي وضحه موسى بقوله:

لأن الكتاب سوقه ضعيف جداً، وسلعة تقيلة بمنطق السوق ما بتخرجش بسهولة 

وهو ما يشكل التحدي الأكبر مع دار نشر ناشئة، وأكثر إذا كانت هذه الدار لديها معايير نشر معينة لا تتوافق مع فكرة الرائج والأكثر مبيعاً وتتجه نحو نوعية كتابة نسوية تقدمية، إلا أن الأصدقاء والمصادفات الإيجابية كما توضح هند، لعبت دوراً مهما في بداية الدار، وساعدت في انطلاقتها وتقديم مختلف أنواع الدعم لها من الناحية اللوجستية أو التنفيذية أو حتى في تنسيق مشاريع مشتركة وأعمال جديدة.

وفي حين أنه كان من الواضح أن توسيع نشاطات الدار، وتحول الرهان الأساسي لدى مؤسسي دار نشر هنّ إلى القدرة على تفعيل دار النشر لتقوم بفعل ثقافي حي، تضم ورشات الكتابة والورشات الفنية مع الحفاظ على مهمتها الأساسية كدار نشر، كل ذلك كان نابعاً من محاولات لتجاوز الصعوبات المادية المترتبة على استمرارية دار النشر، وبالتالي فإن التحركات والتوسعات جاءت كمرحلة لاحقة ولكن مكملة لفكرة الدار الأساسية، وبالتالي كانت كل النشاطات الجانبية الثقافية المغذية التي بدأت بها الدار، هي أنشطة ذات طابع وتوجه نسوي مثل «ورش الإثنوغرافية النسوية» و«الفوتوغرافيا النسوية» وغيرها، كما توضح سالم حول هذا الموضوع:

احنا شايفين أنو دور دور النشر بشكل أوسع ومختلف، أنو مش بس ببقى فاعلة بنشر الكتب والترجمة، إنما فيها ما هو أوسع، فيها ما هو ثقافي، ولكن أيضاً لأن هويتنا نسوية، ففيها ما هو ثقافي نسوي

 

دار نشر نسوية ماذا يعني ذلك؟

هنّ تفخر بأنها دار نشر نسوية، هذا تعريفها الأساسي لنفسها وهذا ما تقدمه، ومع دخولها عامها الثالث في القاهرة، تتوضح التجربة، فمن نشر وترجمة للكتب النسوية إلى الورشات التي ترتكز على مفاهيم نسوية، إلى أن تصبح الدار مساحة آمنة تتسع للنساء ضمن صخب المدينة، فستجد العبارات الأولى على موقع الدار:

يعني مساحة آمنة تشعر فيها النساء بالحرية في التعبير عن أنفسهن بالشكل اللي يحددوه ويشفوه مناسب لهن، كمان الإحساس بالأمان يعني عدم الخوف أو القلق من احتمالية التعرض للتحرش الجنسي أو أي شكل من أشكال الانتهاك

وبالتالي فإن كاتبات وكتاب الدار، ونصوصها التي تخرج من مطابعها، هي نصوص حساسة جندرياً، تسمح لفئات جديدة على السائد أن تكتب وتنشر، دون أن يكون ذلك على حساب جودة النصوص المختارة، فالدار تعمل على إتاحة المجال لمنظور جديد من الكتابة، جريء وجيد، يشتبك مع قارئه ولا يخضع لأي سلطة ذكورية أو أبوية سواء كان لكاتبة أو كاتب، مع مراعاة ألا يكون نصاً تمييزياً وتشمل تلك المعايير كل أنواع النشر رواية كانت أو قصة قصيرة أو مسرحية أو شعر أو حتى كتب مترجمة، ويمكن لمجموعة الإصدارات أن تشي برؤية الدار وهي رؤية بعيون النسويات اللواتي تراهن الدار على إيصال أصواتهن، ومعاناتهن وحياتهن، بعين نسوية يمكن أن تكون لرجل أو امرأة، بالإضافة للتنوع الجغرافي للإصدارات، فقد افتتحت الدار إصداراتها بأربع كتب متنوعة بين نصوص قصيرة لرجائي موسى تحت عنوان حجر الهاوية، وغودو يأكل أصابعه وهو ديوان للشاعرة الجزائرية عنفوان فؤاد وديوان المخطوط للشاعرة التونسية سماح البوسيفي ورواية فنانة الجسد للكاتب الأمريكي دون ديليلو من ترجمة محمد عيد إبراهيم.

وفي الحديث عن الترجمة، تبدو الفجوة الكبيرة في نقص الترجمات النسوية الحديثة إلى العربية، ومنها الحاجة الملحة لحركة ترجمة واعية للمفاهيم النسوية وتحارب الأفكار المغلوطة والتعميمات، بالإضافة للمصطلحات والنقاشات المنوطة بهذه الأمور، وهو أمر يتطلب وقتاً وجهداً وحساسية للبحث وإعادة تدوير للمعرفة، أي طرح نتاج الفكر النسوي باللغة العربية وتقديم هذا النتاج وتحليله والتوقف عنده، وذلك أمر كانت الدار واعية له ويشغل تفكيرها، ولذلك بدأت في تشكيل مجموعة من المترجمات للبحث عن نصوص مختلفة، ضمن طموح لتشكيل قسم دائم للترجمة مع وعي القائمين على الدار أنه :

طريق طويل وصعب ويستند أيضا على دعم الأصدقاء والصديقات للدار

ولدى الدار حاليا مشروع مع المركز الثقافي الفرنسي في القاهرة لترجمة كتاب اثنوجرافي للكاتبة منى شوليت، مثل المترجمة سهى بختة التي ترجمت كتاب رسائل وقصائد للكاتبة الجزائرية الفرنسية ألبرتين سارازان.

 

ماذا عن الاستدامة؟

تعتمد الدار بشكل أو بآخر على فاعليها، هند سالم ورجائي موسى، وتشمل كل الأنشطة الموجودة في الدار روحيهما في تنسيق وإدارة الورشات «من مناقشة كتب، أو قاعة سينما، أو ورشات كتابة وسرد، وحتى أنشطة الأطفال الأسبوعية» وبالتالي فإنه يمكن النظر إلى الدار على أنها استثمار جهود تجارب قائميها، فرجائي موسى روائي وقاص واثنوجرافي، في حين أن هند سالم ناشطة نسوية قادمة من مجال الفنون المسرحية، وبالتالي فإن الدار التي تتسع إلى مركز ثقافي حيوي تتركب أجزاءه من حضور ونشاطات وعلاقات القائمين عليه، وهذا وإن كان أمراً طبيعياً ومفهوماً في مراحل النشأة الأولى إلا أنه موضوع حساس في علاقته مع قصة الاستدامة، حيث إن ارتكاز المكان بشكل كامل على فاعليه هو إحدى السمات المميزة للعمل الثقافي المستقل في المنطقة العربية، وتظهر إشكاليات هذه السمة مع تطور واتساع النشاط الثقافي، فهو كوليد لا يرتكز ولا يستقيم إلا بأهله، ويظل يعتمد عليهم في كل أموره، وهو ما كان لدار نشر هنَ، التي تعتمد ميزانيتها بشكل رئيسي على هند سالم ورجائي موسى، وهذا يشكل عبئا على الفاعل/ة الثقافي/ة نفسه/ـا.

السؤال عن الاستدامة في ظرف كما هذا بدا وكأنه سؤال مضحك، فاستمرار الدار متوقف بشكل رئيسي على حلم ومثابرة القائمين عليها دون أي رافد من أي جهة داعمة أخرى، وبالتالي تبدو الاستدامة معركة يومية يخوضها رجائي موسى وهند سالم بمساعدة من الأصدقاء اللواتي/الذين يؤمنون بأهمية الفكرة التي تقف خلف الدار.

كان الحديث ممتعاً مع رجائي موسى وهند سالم، تشعب من عمل الدار الفعلي ونشاطاتها ليرسم صورة عن فكر نسوي يحارب ليستوطن في فضاء قلق مع كل ما يواجه من إشكاليات المشاريع الثقافية المعتادة، بالإضافة إلى رسم صورة مختلفة عن النسوية التي تعاني ما تعانيه في المنطقة العربية، وتقديم نصوص مختلفة وجريئة، ومحاولات الاستمرار ضمن جائحة الكورونا التي نقلت الحياة بأكملها إلى حيز الافتراضي، كل ذلك الحديث المعقد والمتشعب كان متلونا بإيجابية هند ورجائي وصبرهما لتقديم صورة شاملة عن دار نشر هنّ. أول دار نشر نسوية في المنطقة.