المحتوى العربي على نتفلكس: أسئلة الرقابة والحرية

 

دار سجال فني على هامش مهرجان كان السينمائي في دورته الواحدة والسبعبين عام 2018، حين قرأ رئيس لجنة التحكيم المخرج الإسباني العالمي بيدرو ألمودفار بياناً يندد فيه بشبكة نتفلكس التي تقدّم السينما في المنازل للمشاهدين، ليقف عضو اللجنة الممثل الأميركي ويل سميث ضدّه، متحدّثاً عن حسنات الشبكة، خاصة وأنها تسهّل وصول المشاهدين إلى المحتوى الفني، فيما لا تمنعهم من الذهاب إلى الصالات إن أرادوا. جدل مستمر حتى اليوم يلعب دوراً أساسياً في تقييم الشبكة الأميركية الأكبر على مستوى العالم، والتي يبدو أن أول ما تواجهه من انتقادات، قبل توجهاتها الإنتاجية والفكرية والسياسية، هو طبقة كبيرة تضم شركات إنتاج ومخرجين وفنانين يرفضون المسّ بثقافة المشاهدة، وتحويل المنتج الفني إلى وجبات جاهزة تحضر في أي وقت وفق طلب الجمهور.

بطبيعة الحال، لم تلتفت نتفلكس إلى سجالات أول ما تتّصف به هو نخبويتها وبُعدها عن الجمهور، فما تنظر إليه الشبكة منذ تأسيسها هو عدد مشتركيها حول العالم، والذي وصل إلى 193 مليون مشترك في صيف 2020.

بالبحث عن عدد المشتركين من الدول العربية في الشبكة، نجد أنهم يقعون ضمن قطاع أوروبا والشرق الأوسط وإفريقيا، والذي يشكل عدد المشتركين فيه حوالي 30% من مشتركي نتفلكس. ولعلّ الدول العربية في مرتبة متدنية من حيث عدد المتابعين لاعتبارات عديدة، أولها أنه وحتى يومنا هذا، لا تزيد نسبة مشاهدي الفيديو عبر الإنترنت في الشرق الأوسط عن 25%، فيما يستمر التلفزيون بوصفه المصدر الأوّل للجمهور بنسبة متابعين تزيد عن 90%. كذلك تغيب الأرقام الدقيقة لعدد المشتركين العرب في نتفلكس، مع العلم أن الدراسات التحليلية لقطاعات الجمهور وصلت إلى حد معرفة عدد الذين توقفوا عن متابعة محتويات معينة على نتفلكس بسبب عدم إعجاب حيواناتهم الأليفة بها، وقد بلغت نسبة هؤلاء مثلاً 12% من عينة استطلاع مخصص لرصد سلوك متابعي الشبكة.

ما لم تغيّره نتفلكس

قبل أن تؤثّر نتفلكس «إنتاجياً» من خلال تعامل صناع الأعمال الفنية العرب معها بشكل مباشر، سواءً بصفتها شريكاً منتجاً أو منصة عرض، هي أثرت «ثقافياً» من خلال حضورها لدى قطاع من الجمهور العربي، والذي أصبح يقارن بين ما لدى المنتج الدرامي العربي من منتجين ومخرجين وفنيين وممثلين، وما تنتجه وتبثّه هذه المنصة من أعمال عالمية ذات شهرة كبيرة. من المأمول أن يتيح ذلك إعادة تقييم للمسلسل العربي، وتقاليد إنتاجه وبثه ومتابعته، فلعل متابعة ما هو عالمي بدقة عالية، وسهولة، وراحة غير محكومة بتوقيتات البث التلفزيوني، ستطرح على المُنتِج العربي أسئلة كبرى، تصب في صلب مهنته.

لماذا علينا إنتاج أعمال تمتد على 30 حلقة فأكثر؟ لماذا نُخضِع الجمهور لمزاجية التلفزيون في البث؟ لماذا لا نبحث عمّا هو جديد كلياً، بعيداً عن تكرار الوجوه والقصص والأساليب ذاتها؟

هذه الأسئلة لم تطرح بشكل واضح، أو لعلّ من المكبر طرحها، رغم أن الأعمال العربية تزداد حضوراً في نتفلكس، فجزء مما هو متوفر على التلفزيونات العربية بات يُبَثّ عبر نتفلكس، وهو ما يعني أولاً بالنسبة لأصحاب العمل شهرة مضاعفة عبر المنصة الأشهر والأقوى عالمياً. بل إن فنانين ومخرجين باتوا يصرّحون بأن أعمالهم ستعرض على نتفلكس دون أن يأتوا على ذكر التلفزيونات العربية التي ستعرضها، فقد ينتقص اسم تلك التلفزيونات من قيمة مسلسل «ستعرضه نتفلكس». ومن جهة أخرى، يتيح البث عبر نتفلكس للجمهور إمكانية المشاهدة الخاصة بالتوقيت الأنسب، وبشكل كامل غير مجزأ على حلقات تظهر واحدة تلو الأخرى (وهو ما استمر في بعض الأعمال العربية على نتفلكس، حيث عُرضت مجموعة من المسلسلات على نتفلكس بطريقة بث حلقة كل يوم، وهو أسلوب لم تعتده نتفلكس). أما في المقام الثالث، فإن نتفلكس نفسها أخذت تكسب جمهوراً جديداً من خلال بث أعماله المفضلة بلغته الأم، وهو ما بدا جلياً من خلال أعمال محددة حققت نجاحاً جماهيرياً ونالت شهرة في الشوارع العربية، كمسلسل الهيبة على سبيل المثال لا الحصر. بل يبدو أن نتفلكس قرأت ما هو أبعد من ذلك لتبدأ ببث أعمال كلاسيكية مسرحية مثل مدرسة المشاغبين أو العيال كبرت تدرك مدى ارتباط الجمهور العربي بها.

عشرات المسلسلات العربية بثّتها شبكة نتفلكس، بعضها قديم وبعضها جديد، حتى باتت بعض الأعمال تُنتَج بهدف العرض على نتفلكس، فتتبع بعضاً من أساليب الأعمال الرائجة على الشبكة، كالالتزام بمواسم قصيرة نسبياً، وعنونة الحلقة الواحدة، وإيلاء الصورة أولوية مضاعفة. لكن هذه المكونات وحدها لا تقدّم عملاً فنياً مقنعاً، فعلى شبكة نتفلكس عشرات الأعمال التي لم تحظَ بشعبية، ونالت انتقادات كثيرة نتيجة رداءتها لا أكثر ولا أقل. ولن يكون مجحفاً إن قلنا إن غالبية المنتج العربي على الشبكة لا يبتعد عن هذا التوصيف.

المنصّة السياسية

لن يكون غريباً أن تجد نتفلكس بين المنتجين العرب من ينظر إليها كمنصة يجب استغلالها بسرعة لبث رسالة سياسية مباشرة موجَّهة، مع ضخ كتل مالية ضخمة في سبيل هذه الرسالة. لن يكون هذا المنتج تقريراً سياسياً إخبارياً، ولا برنامجاً حوارياً دعوياً، ولا حتى فيلماً وثائقياً تقليدياً، بل هو مسلسل وفق مقاييس نتفلكس نفسها.

أوضح مثال على ذلك هو مسلسل المنصة الذي كانت نتفلكس منصة عرضه الأساسية. هذا العمل يعبّر عن أجندة حكومية، ويتضمن بروباغاندا لا تَحيد على الإطلاق عن السياسة التي يريدها البلد الممول (الإمارات). «ليس مصادفة انتقاء كاتب كردي لانتقاد تركيا، التي تقف الإمارات هذا الأيام على عداء شرس معها، فيقدم الإمارات كبلد مزدهر يستقبل كل شيء، وينقل بشكل تقليدي هواجسها المتعلقة بالإخوان المسلمين، ليظهر وكأنه بيان سياسي أكثر من كونه عملاً فنياً درامياً».

يشير الصحفي والناقد الفلسطيني راشد عيسى أن لدى الأنظمة العربية جاهزية كافية لتبقى متحكمة بالإنتاج حتى في المنصات البديلة، وبشكل مشابه لتحكّمها به في الوسائل التقليدية، فهناك عقود من الاستقرار والتمرّس سمحت لها بآليات إنتاج وبناء خبرات وطواقم عمل ليس متاحة بعد لمبادرات مستقلة تطمح لاستثمار المنصات البديلة.

مسلسل المنصة الذي ضم نجوم الشاشات العربية، وحمل رسالة سياسية مباشرة - قد لا يحملها بهذا الوضوح تقرير تلفزيوني تبثه سكاي نيوز أو الجزيرة - يصوّر الإمارات واحة من الحرية، تتيح للخبرات العلمية العربية بيئة العمل الصحية وحرية الإنتاج المطلقة، فيما على المقلب الآخر نجد الإسلاميين بصورتهم النمطية وقد عاثوا خراباً بالمجتمعات، تدعمهم تركيا التي تموّلهم بيدها اليمنى وتُلهيهم عن رؤية الحقيقة من خلال مسلسلاتها باليد اليسرى.

وفي الوقت الذي بدأ بث المسلسل على نتفلكس، بدأت وسائل إعلامية إمارتية تَتَتَبّع نِسَب متابعته، لنجد بحسب مروّجيه أنه أكثر المسلسلات العربية متابعةً على الشبكة، في الوقت الذي لم يكن هناك مسلسل عربي جديد على نتفلكس سواه، بمعنى أنه إن لم يَحُز أصلاً على أعلى نسبة مشاهدة لمحتوى عربي على الشبكة فهذا يعني أن أحداً لم يشاهده.

ثمة قطاع واسع من المنتجين العرب سينظر إلى نتفلكس بهذه الطريقة، وسيوظّفها في خدمة هذه الأهداف وبشكل مباشر لا مواربة فيه، مهما تعرضت الأعمال الفنية التي يُنتجها لانتقادات واتهامات بضعفها ورداءتها، وهو تماماً ما يمكن وصف مسلسل المنصة به.

الانعتاق من سلطة الرقابات التقليدية العربية، وفق عيسى، ليس مهمة سهلة، وإتاحة منصات حرّة لا تعني بالضرورة هذا الانعتاق. هي طريق إليه بلا شك، لكن حتى بوجودها، ما تزال السيطرة لهذه الأنطمة ولهذه العقلية. «القصة ليست فقط في التمويل، بل أيضاً بسيطرة أفكار ومناخ عام سائد، الخروج منه ليس سهلاً. يمكننا أن نلاحظ أن كثيراً من المنصات الناطقة باللغة العربية والتي من المفترض أنها حرة، تُدهشك أحياناً بمدى تشابهها مع إعلام الأنظمة العربية».

لا يلغي هذا كما يشير عيسى الفرص التي يمكن أن تتيحها منصة نتفلكس للمشاهد العربي، فهي قد تحرر المشاهد والصانع على حد سواء من عدة «مصائب» مُنِيَا بها في التلفزة العربية التقليدية، من مصيبة الرقابة التي ليس لها أي حساب على نتفلكس إلى مصيبة المسلسل المحكوم بعدد أيام رمضان - إذ حتى لو تكررت تجربة إنتاج 30 حلقة عبر نتفلكس، فإن المنصة تتيح للمشاهد حضور العمل كاملاً بجرعة واحد، أو جرعات أقل من 30.

رعب عربي

اللافت أن أول عملين عربيين أصليين لنتفلكس يدوران في فلك الرعب والماورائيات، وهما الأردني جنّ (2019)، والمصري ما وراء الطبيعة (2020).

ورغم الفروق الكبيرة بين العملين من حيث المستوى، إلا أن كليهما يشير وبشكل واضح إلى تعطّش الدراما العربية لمساحة حرة جديدة، بعيدة عن قيود الشركات التقليدية المحلية أو التلفزيونات التابعة للأنظمة السياسية والدينية. يظهر العملان وكأنهما تعبير عن عقدة نقص في الإنتاج الدرامي العربي، فيفيض جنّ بالشتائم والكلمات النابية - الكثيرة الاستخدام في الشوارع العربية والنادرة في الإعلام والدراما. كانت أولى التهم الموجهة للعمل - قبل النظر إلى أي ضعف في محتواه أو بنائه الفني - هي «خدش الحياء العام»، بالإضافة لمجموعة أخرى من التهم التي تنتمي أغلبها لأقلام تستقوي بالنظام العام والدين والشارع المحافظ، بعيداَ عن أي خلفية نقدية قادرة أصلاً على رؤية العمل بشكله المجرد. مشكلتهم مع جن كانت إفلاته من الرقيب، من القالب الجامد الذي وُضع مجمل المحتوى العربي فيه منذ عشرات السنين، ليجد صنّاعه في نتفلكس حرية لم يتذوّقوا طعمها سابقاً.

لقد أصبح هذا الانعتاق هو القضية، فيما لم تظهر أية قيمة حقيقية أخرى في العمل. كان الجدل المثار حول جن هو «المسلسل الحقيقي» الأكثر دراميةً وتأثيراً. فبعد فترة قليلة من عرضه، نال المسلسل 7 ملايين مشاهدة، و3 ملايين منشور نقدي، وبدأت المسؤولية تدور بين المؤسسات الأردنية، فيتنفض الادعاء العام للمطالبة بوقف البث، ويتحرك البرلمان، ويبدأ تراشق التهم بين من أباح تصوير العمل في الأردن، ومن وقع الأوراق للشركة المنتجة. لقد تحول العمل إلى قضية وطنية، وحرك المياه الراكدة في مستنقع التقاليد المتعفن.

يجول المسلسل بين أساطير البتراء الأردنية وأرواحها، ويصوّر رحلة لمجموعة مراهقين إلى هناك. وبطبيعة الحال، سيتقاذف المراهقون الشتائم، وسيحب أحدهم إحداهنّ، وسيكون هناك مشاهد ساخنة نسبياً. هذا ما يفرضه الواقع أصلاً، لا الخيال، ولا الرواية. ما فعلته نتفلكس هي أنها أباحت تصويره، كما تفعل مع مجمل الأعمال غير العربية التي تُنتجها، وتمر بسلام كونها ابنة مجتمعات سليمة نسبياً.

لا يدعو مسلسل جن - وفق عيسى - للاستياء، بل يقدم نموذجاً للانفلات التام من الرقابة، ولعله يبالغ في هذا الانفلات بالتحديد، فيغدو هدفاً يبرر تفاصيل قد لا تكون مطلوبة درامياً للعمل، فيقول أبطاله ما يريدون بمناسبة ودون مناسبة،. إنه يشبه أن يقوم مسرحيون شبان عرب بالتعري في عرض مسرحي في ألمانيا، حتى وإن كان التعري غير ضروري للعمل. «إنها صورة من صور التوق للانفلات من الرقابات العربية».

ليس بعيداً عما استغله جن في نتفلكس، يستغل ما وراء الطبيعة إمكانية فتح الآفاق للإنتاج الضخم، وتقديم صورة جديدة للمسلسل الروائي العربي، لدرجة يبدو فيها الإنتاج أضخم من الحكاية، بل إن الحكاية ذاتها لا تبرر هذا الشكل من الإنتاج، حيث تحضر الغوريلا في مكان لا يبدو مناسباً لها، وفي سياق غريب، وتتفوق المؤثرات بشكل عام على القصص، بمعنى أن ما تثيره المؤثرات لا يتماشى مع رعب غير مقنع تبنيه الحكايات المأخوذة من قصص ما وراء الطبيعة للكاتب المصري الراحل أحمد خالد توفيق، وهو كتاب حقق مبيعات عالية جداً في مصر والعالم العربي، وتبنّى إنتاجه عبر نتفلكس المنتج محمد حفظي والمخرج عمرو سلامة.

تعطي نتفلكس للعمل العربي وقعاً مختلفاً، وتجعل العامل في المسلسل يجد نفسه في مستوى مختلف وجديد، قادر من خلاله على أن ينال نخبوية لا ينالها العامل في مسلسل عربي عادي تنتجه MBC مثلاً أو «المصرية لمدينة الإنتاج الإعلامي». لن نجد مخرجاً قدّم عملاً من خلال تلك الشركات يطالب جمهوره بشروط معينة للحضور، أو يمنعهم مثلاً من الاستماع للمسلسل عبر الراديو في السيارة بدلاً من مشاهدته على التلفزيون، فللجمهور ما شاء: يمكنه أن يحضر المسلسل مكتوم الصوت، أو مع مائدة عشاء ثقيل. لكن عمرو سلامة طالب جمهوره بسبعة شروط لحضوره عمله على نتفلكس، تتضمن دقة الصورة والإظلام في الغرفة وتوقيت الحضور وما إلى ذلك، وهو ما جعله لقمة سائغة للناقد المصري الذي ينتظر من عمرو سلامة هذه الجملة أكثر مما ينتظر منه مسلسلاً. الملسلسل سيجد مئات ملايين المتابعين وعشرات النقاد، لكن سيعبّر عن نفسه بأن أقوى مافيه هو إنتاج نتفلكس، وبأن مخرجه يكتب شروط حضور العمل بهذه الجرأة ودون أي شعور بالخجل.

ثمة مشاريع فنية جديدة يبدو أن نتفلكس مقبلة على عرضها قريباً، حيث سيكون لأبلة فاهيتا حضورها من خلال دراما كوين الذي انتهى تصويره مؤخراً، فيما تم تأجيل عرض المسلسل الأردني مدرسة الروابي للبنات لأسباب غير واضحة تماماً. قد يكون لما حظي فيه مسلسل جن من ردود أفعال دور في تأخير حضور المسلسل الأردني التالي، خاصةً وأن الاثنين من إنتاج الجهة نفسها - الجهة التي ستكون على ما يبدو مصدر قلق للسلطات التقليدية العربية، وللرقيب الجالس على حافة قبره منذ مئات السنين.