الجمهورية الثانية

 

نعترف أن ما دفعنا لتسمية أعداد أسبوعيتنا بالتعداد الترتيبي المؤنث كان نوعاً من إرادة الخفّة في التعامل مع التحقيب التاريخي المعتاد، إذ نعتقد أن تلاطم الحقب في زماننا ومكاننا قد وصل إلى مراحل مهينة في هزليّتها، فأخذاً بمقولة غرامشي الشهيرة، نجد أنفسنا بين قديمٍ يتمنّع عن إتمام موته (وعلى رأسه حافظ الأسد)، وجديد يناضل لكي تكتمل ولادته، أي أطر وتمثّلات وأفكار وعوالم ومفردات.. وخيال، أقل ضيقاً من الزنازين الحالية. وعند استخدامنا الأول لهذا النوع من التسمية، أي الجمهورية الثانية، نجد أمثلة تاريخية متخبّطة، وأبعد ما يكون عن الترتيب والتناسق والمعنى الواحد، فالجمهورية الفرنسية الثانية انتهت على يد آخر رؤسائها المنتخبين، نابليون الثاني، الذي أعلن نفسه امبراطوراً على أنقاضها عام 1852؛ والجمهوريتان الثانيتان، البولونية والإسبانية، انتهى مسارهما القصير عام 1939، واحدة بالاجتياح النازي لبولونيا (على أنغام فاغنر، حسب السخرية الشهيرة لوودي آلن)، والثانية بانتصار فرانكو في الحرب الأهلية الإسبانية. بالمقابل، كانت نهاية الجمهورية البرتغالية الثانية حدثاً سعيداً للغاية، إذ كانت التسمية غطاءاً هزيلاً للسلطوية السالازارية، وأطيح بها في «ثورة القرنفل» عام 1974، ويحتفل البرتغاليون اليوم، الخامس والعشرين من نيسان، بذكراها الخامسة والأربعين.

عقبال العايزين، ونحن منهم..

في سوريا، لم يُعبّر أي نظام سياسي عن نفسه كـ«جمهورية ثانية»، رغم أن كُتاباً استخدموا المصطلح للإشارة لعهد الانفصال، أو حتى للعهد البعثي الأول. لكن خالد العبود، عضو مجلس الشعب السوري والمحلل السياسي الفذ، كان قد بشّرنا باقترابها أوائل نيسان من عام 2011 في أكثر من مداخلة بعد خطاب بشار الأسد الشهير، مُقرناً اللفظ مع «الحركة التصحيحية الثانية»، وإن محذراً من أنها ليست مجرد قرار من «سيادة الرئيس»، إنما لها مسار مؤسساتي يجب أن يكتمل ويأخذ وقتاً.

جمهوريتنا الثانية ستدوم أسبوعاً، ونقرأ فيها حواراً أجراه أسامة سليم مع الأستاذة آمال قرامي عن النسوية الإسلامية؛ وتفكيراً لرؤى الزيات عن المطبخ كساحة صراعات متراكمة تُخمد أحياناً تحت وطأة الذاكرة والحنين؛ ونظرةً لمصطفى أبو شمس في ما يعنيه أن تُعاش المراهقة في الأزمنة السورية الحالية؛ وجولة لمنى رافع في الحياة الاجتماعية في حمص تحت وطأة «الانتصار»؛ وبياناً جديداً لتنسيقية ألفينوإيدعش من أجل الحرية، تدافع فيه عن التفاجؤ.

ستأتي الجمهورية الثالثة بعد أسبوع بالضبط، في تسرّع شديد وإنعدام كامل للمسؤولية تجاه منطق التاريخ وسيروراته الضرورية لصيروراته الحتمية. وهذا من دواعي سرورنا.