الجمهورية الحادية والستّون

lqdm_lsw-cover.jpg

© Yasmeen Fanari

 

في السابع عشر من تموز عام 2000، أي قبل عشرين عاماً إلا يوم، نُصِّبَ بشار الأسد رسمياً رئيساً للجمهورية في حفل أداء القَسم أمام مجلس الشعب. وفي تلك المناسبة ألقى خطاباً، خطاب القسم، شرح فيه سيادته، مثلاً، الفرق بين «المنصب» و«الموقع»، وعلاقتهما بـ «الشرعية» و«المسؤولية»، ومتى تَستر الأخيرة «السُلطةَ» ومتى تُعرّيها. أيضاً، أخبرنا أن «الديمقراطية واجبٌ علينا تجاه الآخرين قبل أن تكون حقاً لنا»، لكننا لا نستطيع تبنّي «ديمقراطية الآخرين» لأننا لم نعش ظرفهم، ولذلك فعلينا «أن تكون لنا تجربتنا الديمقراطية الخاصة بنا، المنبثقة عن تاريخنا وثقافتنا وشخصيتنا الحضارية». واستفاض سيادته في تعريف الشفافية وإسقاطاتها، وشرح معنى الموضوعية. ومن ضمن مستلزمات «التطوير والتحديث»، تَحدّثَ عن النقد، لكن ليس أي نقد، بل النقد البنّاء، «وهو تماماً بعكس النقد الهدّام»، أوضح سيادته. 

كان ذلك الخطاب فاتحة عهد بشار كمتحذلق فيّاض الإعجاب بتهويماته اللفظية هو نفسه، على ما خَبِرنا خلال العقدين التاليين. لكن كان لذلك الخطاب مكانة احتفائية مركزية في السردية الأسدية، فقد تراكمت الندوات التلفزيونية والمحاضرات والتحليلات والتصريحات في الثناء على فرادة الخطاب وألمعيته، وبات هناك حتى مهرجانات وحفلات موسيقية سنوية في المحافظات للاحتفال بـ «ذكرى خطاب القسم»، دامت حتى «تجديد البيعة» الأول عام 2007. لكن عدا المحتفين الغارقين في الإعجاب بإعجاب بشار الأسد بنفسه، نقّب سوريون كثر في الخطاب باحثين عن نقطة، فاصلة، إيحاء بين السطور، كلمة هنا أو تعبير هناك، يُشير إلى إمكانية تغيير، أو تحوّل، أو انفتاح، إلى درجة أن البعض تداول عباراتٍ على أنها من خطاب القسم، تدفع للأمل، لم تكن فعلاً جزءاً منه، بل قُوِّل بشار الأسد فيها ما كان يُتمنى لو أنه قال. 

وكم نتمنى لأولئك الذين اضطروا حينها للبحث عن بصيص أمل بين ثنايا حذلقات الوريث، ولبناتهم وأبنائهم من بعدهم، ألا يُضطروا لهكذا بحث مجدداً. لم يكونوا يستحقون. لم نكن نستحق.