الجمهورية الخامسة والستون

 

خلال الأيام الماضية، وفي خضمّ دفاع البوتينيين متعددي الجنسيات عن لوكاشينكو وحكمه المديد والثقيل في بيلاروسيا، أنكر معلّقون عدّة، في وسائل الإعلام وعلى شبكات التواصل الاجتماعي، الاتهامات التي وجهها ناشطون ومنظمات حقوقية لأجهزة لوكاشينكو الأمنية حول انتهاكاتها المديدة، ولا سيما في سياق قمع الاحتجاجات الشعبية هناك بُعيد «تجديد البيعة»، وسخروا منها أيضاً. العديد من هؤلاء لجأ، وبلغات عديدة، لمغالطة سينيكية باتت من لوازم خطاب تسويغ الإجرام الدائر في الفلك الإمبراطوري الروسي: «كل هذا كذب وتلفيق. هل ستتهمونه أيضاً باستخدام السلاح الكيماوي؟». السلاح الكيماوي، حسب سردية هؤلاء الإنكارية، صنوٌ لما هو كاذب ومزيّف بشكل واضح، وهو ما لا يُصدّق حكماً. 

بعد ساعات من الآن، تمر سبع سنواتٍ على لحظة حُرمت فيها آلاف العائلات في الغوطة الشرقية من أن لا تُصدّق أن الإجرام بالكيماوي ممكن. كانوا، حتى حينها، قد خبِروا الإجرام بكل أنواع الأسلحة الأخرى، وبشكل مُشرعن بحكم «واقع» الخط الأحمر الأوبامي الذي وُضع على الكيماوي حصراً. وقع ما لا يُصدَّق ليلتها، وقتل 1466 إنساناً، وما لا يُصدَّق، أيضاً، أن هذه المجزرة فتحت الباب لـ «تسوية سياسية» روسية-أميركية وأطلقت سلسلة مؤتمرات جنيف التي لا تنتهي، وحصيلتها أعوام من المجازر، الكيماوية وغير الكيماوية، وبشار الأسد هناك، في قصر المهاجرين، ثابت، كالقدر المحتوم، كالأبد، كالمجزرة. 

لا يُصدَّق، أليس كذلك؟ 

لاعتذاريي البوتينية وأبواقهم أن يُكرروا، كهوس الجزّارين، إنكارهم كما يشاؤون، وفي سبيل ذلك يُرهبون الشهود تحت سمع وبصر العالم، وينبشون المقابر الجماعية ويسرقون بقايا الجثامين لإتلاف الأدلة. ليست المعركة معهم معركة إثبات، فلا الأدلة ولا الشهادات ولا الأرقام والوقائع تردّهم، و«الله لا يردهم» في الحقيقة. ليس لدينا ما نقوله لهؤلاء. ما نقوله، لأنفسنا، وللناس من حولنا في العالم، هو تمنّينا لو أن كل ما حصل في تلك الليلة بقي في إطار ما لا يُصدّق لنا جميعاً، ليتنا لم نخسر 1466 شهيداً من أهالينا ليلتها، ولا مئات الآلاف من الشهداء قبلها وبعدها، من الذين سقطوا ضحايا ما لا يُصدَّق. لسنا «مستقتلين» على التصديق إذاً... ليتنا بقينا عاجزين عن التصديق. ليتنا. 

أما وقد أُجبرنا بالحديد والنار والكيماوي على التصديق، فلن نسامح ولن ننسى.