الجمهورية الرابعة والستون

 

هزّت صور بيروت المتطايرة وجداننا بعمق. أحسسنا أن عالماً، عالمنا نحن أيضاً، يستكمل انهياراته الأخيرة. ليس لأن المدينة المنكوبة تستحضر صور مدننا السورية المنكوبة (وهي كذلك)، وليس لتعاطف كوني إنساني مجرّد فحسب، وليس لأن بيروت صمام ونفحة أكسجين وملجأ ومانع انفجار (نعم لسخرية الأقدار... مانع انفجار) لحيوات كثيرٍ من السوريين، ونقطة اتصال مع سوريا التي انقطعنا عنها؛ وهي فعلاً كلّ ما سبق. لكن أيضاً لما تعنيه بيروت لنا كسوريين، لما تعنيه لنا بحد ذاتها. بعضنا عاش أغنى سنوات شبابه الأولى في بيروت، وبعضنا لم يأتها إلا زائراً  أو لاجئاً لأشهر أو أيام، وضاق بها، ولكننا تقاسمنا شعور أن بقية عالمنا الخاص يتداعى. كانت بيروت القلم الذي ثبته ابن المقلى على معصم يده المقطوعة ليتابع تخطيطه، بيروت كانت، على الأقل أحياناً، «الممكنَ» بعد أن تذوقنا طعم الاستحالة في بلادنا. ورغم أنواع التسلط السياسي والأمني في لبنان على العموم، إلا أن الممكن في بيروت كان أيضاً صداقات دافئة ومتينة ليس مع اللبنانين المتضامنين فقط، بل مع سوريين آخرين جمعتنا بهم الأقدار ولم يكن لنا أن ننسج معهم صداقات في سوريا.  

 إذا كانت المدينة ذلك الفضاء الكبير الذي يعيد الناس فيه خلق ذواتهم كما يشتهون، بعيداً عن عوالمهم الصغيرة الموروثة، فبيروت كانت مدينتنا الوحيدة. دمشق ضيعة الدمشقيين ومدينة سواهم، وحلب ضيعة الحلبيين ومدينة سواهم، أما بيروت فالسوريون جميعاً وافدون إليها، ولذلك قد تكون مدينتهم الحقيقية الوحيدة والأخيرة. هي مدينتهم لا بسبب روابط التاريخ والجغرافية والقومية المهترئة كلها، بل ربما على العكس تماماً، بيروت مدينة السوريين لأنها ليست في سجل قيود أي أحد منهم. فيها يختبرون لذة الانعتاق والتجريب والبدء من جديد بعيداً عن العيون الفاحصة الأليفة، وفيها قد يعيدون اكتشاف سورييتهم مع سوريين آخرين خارج الصمت الأسدي التام، ولكن على مقربة ضرورية منه، حيث لا يُنسى تماماً ولا يتحول إلى فلكلور بائس أو جرح قديم عفن. وعندما تقهر بيروت السوريين، كما تقهر كل المدن فقراءها ولاجئيها، فهي لا تسمح لهم بالهرب إلى طمأنينة عزلتهم القديمة وسكونها وصمتها، بل تدفع بهم إلى أحياء ومخيمات غنية رغماً عن فقرها، فيها كلامٌ وفعلٌ ولهجاتٌ ولغاتٌ وعزمٌ وسياسةٌ ونضالٌ كثير، على الرغم من قهرها، أو ربما بسببه تحديداً. تسحق بيروت لاجئيها من السوريين، لكنها لا تسرق منهم لغتهم، بل قد تزيد عليها لغة كونية جديدة يفهم السوري فيها عذاباته بكناية عذابات الآخرين ومن خلالها.