الجمهورية السابعة والسبعون

 

خلال بحر حُكم حافظ الأسد لسوريا، هيمنت على حقائبنا المدرسية دفاتر تتصدر صورته واجهاتها. كانت تلك الدفاتر من إنتاج وتسويق المؤسسة العامة الاستهلاكية، التي كان شعارها دائري الشكل برسم الحروف الأولى، م ع ا، يشكّل ذيل الميم والعين محيطها، فيما الألف ترسم خطاً شاقولياً  يفيض عن نصف القطر وكأنه يخبرنا أن الساعة منتصف النهار أو الليل، لكنه كان ينتصف متني الحرفين الآخرين بما يثير الحيرة حول ترتيب الحروف؛ كثيرون منا كان يسخرون من أن دفاترنا مكتوبٌ عليها «ماع». 

لسنا قلّة من رسمنا على وجه حافظ الأسد نظارات، أو لوّنّا خدّيه، أو طوّلنا شاربيه أو أذنيه، أو رسمنا له قروناً، أو ألبسناه قبعة، أو حتى ألقمناه سيجارة أو غليوناً. لم نكن نعارض النظام، لم نكن نعرف ماذا يعني نظام؛ ولم نكن نمارس كرهنا لحافظ الأسد، لم نكن نكرهه، كنا أصغر من أن نتعلم الكره، وأصغر أيضاً من أن نتعلم حبّ من لا يطعمنا ويغسلنا ويكسونا يومياً. كنا نمارس خيالنا، نحاول امتلاك حافظ الأسد كما كنا نفعل بِدفاتر الرسم، بِكتب ذوينا، وبِأثاث البيت أحياناً. لم نكن نعرف أن حافظ الأسد لا يُمتلَك. أهالينا كانوا يعرفون ذلك جيداً، ومعلمونا ومعلماتنا أيضاً. تلك الدفاتر المُدنسة كان مصيرها التجليد، أو الاستبدال السريع. 

تحيةً لتلك الدفاتر المُخبأة، أو المُجلَّدة، ولأطفال صار بعضهم كهلاً أو يكاد، قررنا في الذكرى الخمسين لاستيلاء حافظ الأسد على السلطة في سوريا أن نعيد امتلاكه على دفاترنا، مرة أخرى.