هل هناك ترجمة خاطئة جذرياً؟

مقدمة 

لم تهتم الفلسفة التحليلية بالترجمة بالرغم من اهتمامها الهائل باللغة. كل ما نجده عن الترجمة ملاحظات نظرية، غير معنية بعملية الترجمة نفسها، بل بمنطقها، وبنظريات فلسفة اللغة. واحدة من هذه النظريات هي عدم تعين الترجمة (indeterminacy of translation)، التي قدمها كواين، وتقول بأننا، بشكل منطقي بحت، لا يمكن أن نعرف أية ترجمة هي الصحيحة بين ترجمتين مختلفتين غير متوافقتين، مهما أضفنا معلومات عن الموضوع المُترجم. هذا أمر نظري بحت، يترابط مع فلسفة كواين التجريبية في العلوم واللغة، وبحاجة إلى الكثير من البحث لفهم ما يقصده المؤلف بالضبط. 

ما يعنينا بشكل عملي، هو استخدام كواين وتلامذته لهذا المفهوم، بجعله مترابطاً مع مجموعة من القصص عن ترجمات خاطئة جذرياً، حصلت في التاريخ الفعلي، وليس مجرد نظريات. هذه القصص هي التي يناقشها إيان هاكينغ هنا، ليثبت أنها جميعاً قصص كاذبة. هاكينغ نفسه لا يقترح أن مقاله ينقض فكرة كواين تماماً، ولكنه يشكك في صحتها.

ولكن، أكثر من هذا، نص هاكينغ يجعلنا نفكر في الترجمة نفسها: لا توجد ترجمات خاطئة كلياً، بالرغم من وجود أخطاء هنا وهناك. هذه نظرة معتدلة لطيفة بسيطة عن الترجمة، ترفض النسبوية والمبالغات في عدم إمكانية الترجمة، وتعترف بالقصور. 

من جهة ثانية، النص يتميز بحساسية واقعية عظيمة، يجب أن نشير إليها. ينتمي هاكينغ إلى ما يعرف بـ «الفلسفة الجديدة» في فلسفة العلم، التي بدأت مع توماس كون. تميز هذا الجيل بأنه نظر إلى ما يفعله العلماء وما فعلوه في التاريخ في مخابرهم وفي أوراقهم غير المنشورة. أثبتت دراساتهم أن كل نظريات الاستقراء العلمي، التي قال بها فرنسيس بيكون وتبناها كل الفلاسفة إلى زمن كارل بوبر، خاطئة: لم يبدأ العلماء من جمع الملاحظات ليصلوا إلى النظريات. إذن، نقد بوبر لفلسفة العلم صحيح تماماً. أيضاً، بوبر نفسه كان مخطئاً في أن العلماء يحاولون تكذيب النظريات: لم يفعل العلماء ذلك، إلا في حالات استثنائية. هكذا نزلت فلسفة العلم إلى أرض الواقع لتفتح باباً واسعاً معقداً جديداً، يضم الاستقراء والتكذيب وأشياء أخرى معاً. نفس الأمر يفعله هاكينغ مع الترجمة: يدرس القصص المكررة عن أخطاء الفهم، في التاريخ وليس في الشكل النظري، ليجدها كاذبة كلها. 

الاستنتاج الأخير بسيط، وغير مثير ربما، ولكنه مطمئن جداً: نحن نترجم كثيراً، ونقرأ كتباً مترجمة. لا توجد نسبوية لغوية كلية. الناس ترتكب أحياناً أخطاء غير-جذرية، ولكنها تتواصل، بالرغم من كل الاختلافات العرقية والثقافية والتاريخية.

عدي الزعبي

مراجعة: مروان زكريا وعُدي الزعبي

*****

حظيت نظريات و. ف. كواين حول عدم تعين الترجمة وإبهام المرجع1 (indeterminacy of transltion and  Inscrutability of reference) باهتمام كبير. وعلى الرغم من أن هذه النظريات تقوم على الاحتمالات المنطقية وليس على ما يحدث في الواقع، إلا أنها دُعمتْ بحكايات مكَررة  عن أخطاء جذرية في الترجمة. أقترح في هذا المقال القصير أن تلك الروايات كاذبة. قد يعترض بعض القراء قائلين إن هذا لا يمس مقترحات كواين المنطقية. لست متأكداً من صحة الاعتراض. إذا كان هناك ما يُزعم بأنه احتمال منطقي فيما يخص الترجمة، ولكننا لا نصادفه إلا بشكل عابر لا يتجاوز   بضع لحظات في الواقع، ألا يجوز لنا الشك في أن مفهوم الترجمة المقترح هذا قد يكون خاطئاً بالأساس؟

(كتب هاكينغ المقدمة أعلاه عندما أعاد نشر النص في كتاب يضم مجموعة من مقالاته)

في رحلتهم الاستكشافية إلى أستراليا، أمسكت مجموعة من بحّاري الكابتن كوك بكنغر فتيّ وأحضروا المخلوق الغريب إلى متن سفينتهم. لم يعرف أحد منهم ما هو، وأُرسل بعض الرجال إلى الشاطئ ليسألوا السكان الأصليين. حين عاد البحارة، أخبروا زملاءهم: «إنه كنغرو». بعد سنوات عديدة تبين أن السكان الأصليين حين قالوا «كنغرو» لم يكونوا في الواقع يشيرون إلى تسمية الحيوان، بل يردّون على سائلهم: «ماذا قلت؟»

إذا كانت هذه الرواية صحيحة، فهي تقدم مثالاً عن ترجمة خاطئة جذرياً، التي يمكن تعريفها كما يلي: (1) متحدثان بلغتين مختلفتين تماماً يحاولان التواصل. (2) يقول المتحدث باللغة الأولى س فيعتقد المتحدث باللغة الأخرى أنه يقول ع. (3) هذه الترجمة خاطئة تماماً. ولكن (4) لا يدرك أي من الطرفين ذلك فيواصلان الكلام. علاوة على ذلك، (5) تستمر الترجمة الخاطئة إلى أن يفوت الأوان على تصحيحها. 

الشرط (1) يحصرنا في إطار أشخاص يتحدثون فيما بينهم ويستبعد عمليات فك رموز النصوص القديمة. والشرط (3) يستبعد سوء الترجمة المتعلق باختلاف الآراء أو الفوارق الدقيقة، أو سوء الفهم العادي، أو أخطاء التصنيف التي نتعرض لها جميعاً وبشكل دائم. وبما أن قصتي كانت عن التسمية (تسمية الكنغر)، فسأسمي هذا النوع من الترجمة الخاطئة جذرياً «مالوستنشن» (malostension ) ويمكن تعريفه بأنه ما يحدث عندما (6) يفهم المتحدثون باللغة الثانية التعبيرَ المستخدم باللغة الأولى على أنه تسمية لنوع طبيعي (7) بينما هو بعيد كل البعد عنه، ورغم ذلك (8) تتخذ اللغة الثانية التعبير على أنه اسم للنوع الطبيعي المعني. لا بد من اعتبار الشرط (7) شرطاً محورياً. فالمالوستنشن ليس مجرد سوء تصنيف، أو اتخاذاً لاسم فرد باعتباره اسماً لفئة2.

لا يمكنني إثبات أن الترجمة الخاطئة جذرياً (المالوستنشن) لا تحدث أبداً. ولكن سأبين زيف بعض الحالات الشهيرة المزعومة، لأنها قائمة على الشائعات، وتدحضها الحقائق. قد يكون لهذا أهمية ما، بسبب أطروحة و.ف. كواين نفسها فيما يخص عدم تعين الترجمة (indetermncy of translation)، فعلى الرغم من أن نظريته قبلية3، إلا أنها تكتسب مصداقيتها جزئياً من النوادر والحكايات. يراودنا شعور بأن عدم تعين الترجمة كما يقدمها كواين هي  الحالة القصوى للترجمة الخاطئة جذرياً، حيث لا يمكن لأية معلومات نضيفها أن تجعلنا نعرف أية ترجمة هي الصحيحة بين  ترجمتين مختلفتين غير متوافقتين. أرفض هذه الحجة المنطقية عبر دحض الروايات التي انطلقت منها. الشيء الملفت في التفاعل البشري أن الترجمات الخاطئة تُكشف وتُصحح بسرعة وسهولة.

قصتي الافتتاحية عن «الكنغرو» شائعة ومكررة. كالكثير من الناس، كنت ساذجاً فصدقتها، والأسوأ من ذلك أنني كررتها. النسخة التي سردتها أعلاه مقتبسة من صحيفة أسبوعية، وقد اقتبست الفقرة الأولى منها في مقالي (هاكنغ، 1975، ص. 150). بعد ذلك، أخبرني الفيلسوف الأسترالي جاك سمارت بأن القصة غير حقيقية، وأنها نوع من الأسطورة، إلا أنها أسطورة السكان الأصليين أنفسهم. بالفعل، سجّل فريق كوك عدداً كبيراً من المفردات لإحدى اللغات التي صادفوها في منطقة نهر إنديفور في أستراليا.  كانوا واثقين من هجاء ومعنى ستين منها فقط. «كنغرو» واحدة منها. المسافرون اللاحقون لم يصادفوا هذه الكلمة. ومن هنا جاءت القصة التي بدأت بها، حيث ابتكرها الناس لتفسير المفردة التي وثقها كوك، غير أن قصتهم تستند فقط إلى حقيقة أن قلةً من المسافرين اللاحقين تحدثوا فعلياً مع أفراد المجتمع الأسترالي الذي التقى به كوك. وقد تمت الإشارة إلى ذلك على ما يبدو في رسالة إلى صحيفة أسترالية في عام 1898، ولكنها لم تصبح معروفة حتى قام عالم الأنثروبولوجيا جون هافيلاند في عام 1972 (ديكسون 1980، 8-9) بكتابة المفردات الكاملة للهجة تسمى غوغو ياميدير (Guugu Yamidhirr)، وهي اللهجة التي تحدث بها الناس حصراً في المنطقة التي حطّ بها كوك ورجاله. الكلمة التي يطلقونها على الكنغر هي «غانورو» (ganurru)، وأستخدم (N) بدلاً عن  فونيم يشبه Ng في «كنغرو». باختصار، فإن كلمة «كنغرو» لم تكن ترجمة خاطئة جذرياً، على الرغم من أن طريقة كتابتها المختلفة بالإنكليزية قد يكون ناتجاً عن ضعف أو خطأ في تسجيل الصوتيات.

هناك محاورة منشورة بين كويان وبوتنام4 يذكران فيها حالتي ترجمة خاطئة جذرياً مزعومتين إضافيتين:

كواين: لفت ديفيد لويس انتباهي إلى مثال جيد [...] كان هناك، في القرن التاسع عشر، عالم طبيعة فرنسي يدعى بيير سونرا. في أحد الأيام بينما كان يقوم بعمل ميداني في مدغشقر، رأى سونرا ليموراً يتسلق شجرة فسأل أحد السكان المحليين «ما هذا؟»، فأجابه «إن دري»، ما يعني  بلغة مدغشقر «ها هو يذهب». اعتقد سونرا أن الرجل فهم سؤاله وأجابه، فعُرِف الحيوان باسم «إندري» حتى يومنا هذا.

بوتنام: يشبه هذا كلمة «فاسيستاس» (vasistas)5.

كواين: صحيح. الكلمة الفرنسية لفتحة النافذة هي (Was ist das)6 (كويان وآخرون، 1974 ص.500).

في الواقع، لم يزعم بوتنام وكواين بأن كلمة «فاسيستاس» تعتبر مثالاً عما أسميته بالمالوستنشن. لكن غيرهم فعل. ويصعب في الحقيقة تخيل الظروف التي تحدث ضمنها تلك الترجمات. هل كان بعض السياح الألمان يشيرون إلى فتحة نافذة فرنسية ويسألون Was ist das؟ هل سمعهم بعض الفرنسيين وفكروا، «ها! لا بد أن اسم هذه النافذة الصغيرة داخل النافذة الكبيرة هو "فاسيستاس"»؟ لا يمكن إثبات أيٍ من ذلك. في الحقيقة، كانت الكلمة الفرنسية تُكتب في البداية وفق التهجئة الألمانية حيث استخدمها مهندس التعدين الفرنسي ج. ف.س. موران عام 1776 في كتاب يصف معدات المناجم الأجنبية واصفاً الفاس ايست داس (Was ist das) بأنها فوهة صغيرة في باب يمكن فتحها لمعرفة ما يوجد في الخارج أو لتمرير أشياء صغيرة أو رسائل.

وهكذا فعبارة «فاس إيست داس» أو «ما هذا؟» بالألمانية هنا ليست سؤالاً يقصد به «ما هذه الفتحة المضحكة؟» بل هي كلمة تعبر عن وظيفة الفتحة. «الفاسيستاس» هي فتحة يمكننا من خلالها النظر لمعرفة «ما هذا» الشيء الموجود في الخارج أو «الذي يطرق الباب»، أو مَن هناك وراء الباب؟

في عام 1784 يجد المرء التهجئة التالية لكلمة (Wasistdas) مستخدمة للإشارة إلى نافذة صغيرة في منصة مغلقة تعلق على مناطيد مونتغولفيه (التي تتحمَّل الضغط الفائق) بحيث يبقى الركاب محميين تماماً بينما يمكنهم فتح «الفاسيستاس» من وقت لآخر لرؤية الإطلالة (فون بروشفيتس، 1964، ص.329). سرعان ما تفرنست تهجئة الكلمة فأصبحت (Vatistas) بالإشارة إلى فتحة تفصل المنزل عن الغرباء في الخارج. وبحلول عام 1793 أعطتها العدالة الشعبية دلالةً معاكسة فأصبحت تدل على الفتحة التي تثبت الرأس في المقصلة كما هو الحال في العبارة «مرر الرأس عبر الفاسيستاس»7. ليس هناك ترجمة خاطئة جذرياً هنا8.

كلمة «إندري» أصعب قليلاً، وأظن أننا نواجه هنا ما يشبه حكاية كلمة «كنغرو» من حيث أنها كلمة تستخدم في لهجة من اللهجات التي صادفها سونرا ولم يلاحظها المسافرون اللاحقون. علينا ألا نفترض أن من وثّقوا هذه المفردات كانوا مهملين. كان كوك يقدم تقاريره إلى السير جوزيف بانكس، وهو أحد أتباع نيوتن الذين يستخدمون الاستقراء بطريقة نقدية، بل واحد من أهم هؤلاء. ولم يعتمد كوك على تقارير عادية من البحارة (كما تقترح القصة المذكورة). بل قام فريقه بغربلة جميع البيانات قبل أن يستقر على ستين كلمة فقط، منها كلمة «كنغرو» التي كانوا متأكدين منها. وبالمثل، لم يكن بيير سونرا (1748 – 1814) مجرد متنزه يراقب الليمور وهي تتسلق الأشجار (كما توحي حكاية كواين)، بل كان واحداً من أكثر المراسلين دقةً، وكان كوفييه (عالم الحيوان الفرنسي المعروف) سعيداً بالاعتماد على أعماله.

لا تشير كلمة «إندري» إلى الليمور بشكل عام بل إلى نوع خاص منه، أكبر حجماً، حيث يبلغ طوله نحو 65 سنتيمتراً، ويعيش على جزيرة مدغشقر. يتصف هذا النوع من الليمور، كغيره من الأنواع، بخطم مدبب وبتسلق الأشجار، ولكن فيما عدا ذلك فهو يختلف عنها تماماً. بعكس الليمورِ ذي الذيل المخطط والذي ألِفته حدائق الحيوان، فإن للإندري ذيلاً قصيراً، لونه أسود مع بقع بيضاء على الرأس والرقبة والذراعين والأرداف، وهو حيوان يعيش في قطيع، غالباً في أعالي الأشجار متسلقاً في وضع مستقيم ويأكل الفاكهة. هذا النوع الذي كان منتشراً في غابات مدغشقر قد انقرض الآن تقريباً، ولا يعيش اليوم إلا في الغابات النائية في الشمال الشرقي.

حين يتعلق الأمر بـالـ «إندري»، لا يمكننا أن نعيب فلاسفتنا ونتهمهم بالإهمال. يقول معجم أوكسفورد الإنكليزي في طبعته الأولى -ويكرر ذلك في الطبعات اللاحقة- أن الكلمة هي «تطبيق خاطئ لتعبير التعجب في لغة مدغشقر "انظر! هو ذا!" أو "إندري إيزي!" أي "ها هو"، أطلقه عالم الطبيعة الفرنسي سونرا مخطئاً على الحيوان حين رآه أول مرة عام 1780. الاسم الوحيد في لغة مدغشقر هو باباكوتو». معجم وبستر الدولي في طبعته الثالثة يكرر القصة، مؤكداً أن الكلمة تأتي من الفرنسية مأخوذةً عن كلمة «إندري» بلغة مدغشقر «وتعني "انظر!" إثر اعتقاد خاطئ لعالم الطبيعة الفرنسي بيير سونرا الذي لاحظ الحيوان في بيئته الأصلية نحو عام 1780 واعتقد أن السكان الأصليين كانوا ينطقون باسمه بينما كانوا في الواقع يلفتون الانتباه فقط إلى وجوده». قاموس لو بيتي روبير يؤكد أن الكلمة الفرنسية (إندري) «مشتقة من تعبير التعجب في لغة مدغشقر "هو ذا" الذي اتُخِذ خطأً اسماً للقرد». من يمكنه التشكيك في هذه السلطات المهيبة؟ فقط ذلك الذي يتفحص سلطتهم نفسها. يوجهنا معجم أوكسفورد الإنكليزي إلى ملاحظة أدلى بها مبشّر من مدغشقر كتب عام 1893 في مجلة قام بتحريرها، يقول القس ج. سيبري: 

الاسم المحلي لليمور قصير الذيل هو باباكوتو، أي حرفياً «الأب-الولد»، وليس «إندري» بحسب قول سونرا الذي اكتشف النوع. «إندري» كلمة في لغة مدغشقر تعني «انظر» أو «ها!» ... وكان سونرا على الأغلب مخطئاً، كغيره من الأوروبيين، باعتقاده بأنها اسم الحيوان حين هتف السكان الأصليون: «إندري إيزي!» أي «ها هو!». (سيبري، 1893، 83). 

هل هذه هي الترجمة الخاطئة جذرياً المثالية إذاً؟ أولاً، دعونا نرتب مرجعياتنا. هذا الاقتباس من سيبري هو ترجمة حرفية غير معترف بها للملاحظة التي أدلى بها فرانسوا بولين (1868، ص. 20) وهو مبشِّر آخر وعالم طبيعة. وبغض النظر عما إذا كنا مدينين بالقصة إلى القس سيبري أو الأب بولين، فإن كواين قد التقط فحواها بالتأكيد. نتصور أن بيير سونرا قد زار مدغشقر عام 1780 وسأل عن اسم نوع معين من الليمور، فحصل على إجابة بكلمة مثل «إندري» أو ما شابهها، فيما يتسلق الحيوان الشجرة سريعاً، ونتصور أن سونرا لم يقترب مجدداً للحصول على نظرة أقرب للإندري، فالحيوان يهرب منه باستمرار. 

ولكن في الواقع، كما يخبرنا سونرا، فإن الإندري حيوان قابل للترويض بسهولة، وفي الجزء الجنوبي من الجزيرة يُستخدم في الصيد بقدر ما تستخدم الكلاب. وبخلاف الرواية التي تزعم أن سونرا، ببساطة، سمع صرخة «إندري» وافترض ما افترضه، فقد سأل في الواقع عن معنى الكلمة وقيل له أنها تعني «رجل الغابة الصغير». (سونرا، 1782، الجزء الثاني 141-3؛ 1806a، IV 89، 92). إذاً فهو لم يسمع الكلمة فحسب بل ناقشها، وقام في وقت لاحق بطباعة نقشٍ رَسم فيه إندري لطيف بدين يأكل... الموز؟ (سونرا، 1782 الجزء الثاني، لوحة 88؛ 1806b، لوحة 86). هل يمكن أن يكون ذلك النقش إعادة بناء خيالية لحيوان لمحه سريعاً مرةً واحدة ولم يقترب منه بعد ذلك؟ لا. لقد أخذ سونرا أحد حيوانات الإندري معه على متن سفينته، وقدمها لاحقاً إلى ملكه، حيث لعب الحيوان مدة من الزمن في الحديقة الملكية قبل أن يُحنّط ويوضع في متحف التاريخ الطبيعي في باريس.

لا يثبت أي من هذا بشكل قاطع أن سونرا حصل على الاسم الصحيح. ولن تجد كلمة إندري في قواميس معتمدة من لغة مدغشقر إلى اللغات الأوروبية. ولكن بالاستناد إلى قصة الكنغر، يمكننا أن نتساءل فيما إذا كان سونرا ببساطة قد أخطأ قليلاً في بعض فونيمات الاسم. هذا أكيد.

أول قاموس بلغة مدغشقر مطبوع ثنائي اللغة كان من عمل ممثلين عن جمعية التبشير في لندن، والتي تم الترحيب بها بشكل مؤقت حين دعم البريطانيون، من مقرهم في موريشيوس، حملة زعيم مدغشقري للسيطرة على الجزيرة بأكملها. (عندما توفي هذا الملك عام 1828، تراجعت أرملته عن السياسات المتعلقة بنشر الثقافة الأوروبية والتبشيرات المسيحية، وبذلك حافظت الجزيرة على استقلالها الذاتي المستعاد ضد الهجمات الفرنسية والبريطانية حتى عام 1895، مع أنها اضطرت إلى التنازل عنه بشكل متزايد في السنوات اللاحقة). لا يتضمن الجزء الإنجليزي-المدغشقرية من القاموس (فريمان 1835) تعريفاً لليمور، ولكن في القاموس بالاتجاه العكسي (جونز، 1835) نجد كلمة «إندرينا» وقد ترجمت إلى قرد (في ذلك الوقت لم تكن هناك قرود حقيقية على الجزيرة باستثناء عدد قليل هارب من السفن العابرة). يُترجم القاموس الإنجليزي-المدغشقري المطبوع التالي (ريتشاردسون، 1885) «إندرينا» على أنه «نوع من الليمور». ومن الملفت أن قاموس فريمان قد تمت طباعته مع صفحات فارغة بالتناوب بحيث يمكن للمستخدم تكبير قائمة الإدخالات إذا شاء. وبالرجوع إلى نسخة سيبري الخاصة من قاموس فريمان والموجودة اليوم في مكتبة جامعة ييل، نجد أنه قد أدخل فعلاً بعض الإضافات، لكن أياً منها لا يتعلق بالتاريخ الطبيعي. أزعم أن سيبري هو من ارتكب ذلك الخطأ وليس سونرا.

هذه الأدلة ليست قاطعة. من المحتمل مثلاً أن يكون جونز (1835) قد اشتق كلمة «إندرينا» من الكلمة الفرنسية «إندري» في عملية «صياغة ارتجاعية»9 وليس ككلمة سُمع السكان المحليون وهم ينطقون بها. لكن ما الهدف من إضافة مقطع إلى اسم فرنسي؟ أعتقد أنه يمكننا بالفعل قبول كلام سونرا. تماماً كما هو الحال مع «الكنغرو»، فمن المحتمل جداً أن سونرا قد صادف أناساً يسمون الليمور الكبير قصير الذيل بالإندري أو الإندرينا، وأن الأوروبيين اللاحقين في أماكن أخرى من الجزيرة لم يصادفوا من ينطق بها. وكي نتحقق من ذلك، دعونا ننظر إلى الصورة الأكبر. أولاً، مدغشقر جزيرة كبيرة، إذا كانت تكساس تفاخر بأنها أكبر من أي بلد في أوروبا باستثناء روسيا، فإن مدغشقر تقع في المقام نفسه. كما أنها جزيرة طويلة: بطول ألف ميل، أي أطول من كاليفورنيا بمئتي ميل. في العام 1780 قُسّمت الجزيرة إلى عدد من «الممالك الصغيرة». ومع أن سكان الجزيرة يتكلمون لغةً واحدة مشتقة من اللغة الأساسية ذات الأصول الملاوي–بولينيزية، إلا أن اللهجات المحلية عديدة، ولعل أكثرها شيوعاً هي الميرينا. لم تصبح الميرينا اللهجة «المفضلة» حتى عام 1820 عندما ساعدت الجمعية التبشيرية اللندنية (الراعي الرسمي للقواميس المذكورة سابقاً) في تشكيل الأبجدية اللاتينية للغة المدغشقرية بناء على لهجة الميرينا. استُخدمتْ لهجة أخرى للكتابة بالأبجدية العربية، وقد بدأ العمل بها منذ العام 1620 (النصوص من تلك الفترة من شأنها أن تخبرنا بالمزيد عن الاسم الذي كان يطلق على الليمور). ربما وجد سيبري، وهو يكتب من العاصمة في وسط مدغشقر في العام 1893 بعد أن كانت الميرينا قد أصبحت اللهجة الرسمية للجزيرة، أن باباكوتو هو الاسم الوحيد لليمور قصير الذيل. سونرا كان مستقراً في الجنوب بشكل أساسي، أي على مسافة لا تقل عن 500 ميل من العاصمة وفي مرحلة زمنية تسبق بكثير انتشار الميرينا في أرجاء الجزيرة بفضل جهود المبشرين الإنكليز. لا نرى أي سبب للافتراض بأن استنتاج سيبري اللغوي عام 1893 (والذي ربما كان منطقياً في سياقه الخاص)، ينبغي أن ينطبق أيضاً على مكان آخر عام 1780.

يكاد استنتاج كواين الأخاذ -فيما يخص «إندري» بحسب روايات القواميس- يجعلنا نعتقد أنها المرة الأولى على الإطلاق التي يلتقي فيها رجل فرنسي، أو حتى أوروبي، مع السكان الأصليين لجزيرة معزولة. بينما نعرف في الواقع أن مدغشقر كانت دائماً ممراً عالمياً للأسفار بفضل موقعها الجغرافي، وأنها لعبت دوراً هاماً في طرق الشحن العربية الإفريقية، وصلها الملاح البرتغالي ديوغو دياز عام 1500 واستُوطِنت مدينتها الساحلية المعروفة اليوم باسم تولانارو أو فارادوفي منذ عام 1528. وفي العام 1642، أصبحت مثلها مثل «فورت دوفين» واحدةً من البؤر الاستيطانية الأساسية لـ «شركة الهند الشرقية» الفرنسية حيث كانت، بموقعها المثالي بين «كيب» و«سيلان»، الخيار الطبيعي كميناء للأوروبيين المسافرين إلى الهند أو جزر التوابل. كذلك اختارها إتيان دي فلاكور (1607- 1660) مقراً له أثناء كتابة عمله الضخم تاريخ جزيرة مدغشقر الكبرى من عام 1658 وحتى عام 1661. ويتضمن جزءٌ كبير من هذا الكتاب سرداً للأنشطة الفرنسية في فورت دوفين في الفترة ما بين سنة 1642 وسنة 1655، بينما تشرح آخر 42 صفحة منه أسباب خسارة «شركة الهند الشرقية» عملياتها هناك. وكان الكتاب كذلك عماداً لقاموس مبدئي فرنسي - مدغشقري يبدو مع الأسف أنه لا يقدم أي معلومات عن الليمور (Ferrand 1905). إذاً لم تكن مدغشقر منطقة مجهولة حين وصلها سونرا في العام 1780. سونرا، عالم الطبيعة البارز، عرف الكثير عن حيوانات الجزيرة ونباتاتها، وكذلك عن لغتها. كان يوثق مدغشقر في طريق عودته من الصين والفلبين وسيلان، التي لديها أنواعها الخاصة من الليمور. وكان اهتمامه باللغة واضحاً، وقد انعكس في سرده لرحلته الذي تضمن فصلاً طويلاً عن لغة التاميل المحكية والمكتوبة (نشر بشكل منفصل أيضاً عام 1806). أي أنه ليس ذلك الرجل الذي تتوقع منه أن يسأل بشكل عفوي «ما هذا؟» باللغة الفرنسية، ثم يفترض مخطئاً أن تكون إجابة «انظروا إليه يذهب!» هي اسم الحيوان بلغة مدغشقر. كان الفرنسيون قد استقروا في الطرف الجنوبي من مدغشقر مدة قرن ونصف من الزمن، وكانت المنطقة مكتظة بحيوانات الإندري، بعضها تم ترويضه قبل وصول الأوروبيين بزمن طويل. أنا أتخيل سونرا الفضولي ينزل من القارب هاتفاً «خذوني إلى الليمور الخاص بجزيرتكم».

من المؤكد أن هناك أخطاء في الفهم لا تزال قائمة. لكنها تختلف عما أصفه بالترجمة الخاطئة جذرياً. فيما يلي مثالان: من بين كلمات لغة مدغشقر التي تطلق الآن على الليمور نجد «غيدرو» و«راجاكو» (أو «جاكو»). «الغيدرو» هو ليمور رمادي صغير. الكلمة مشتقة من «نغيدير» التي تعني «قرد» بالسواحلية. تكاد بقية إفريقيا تخلو من حيوان الليمور، ولا توجد قرود تعود أصولها إلى مدغشقر. وبالتالي، فقد كانت تسمية التجار المتحدثين بالسواحلية الليمور باسم «نغيدري» نوعاً من الخطأ، لكنه خطأ في التصنيف وليس في الترجمة. كذلك بالنسبة لـ«جاكو»، فلو توخينا الدقة، لما أطلق الاسم إلا على القرود. لماذا؟ لأن ريتشاردسون (1885) يخبرنا أن قبطان البحر الإنجليزي كان لديه قرد أليف هرب فركض البحارة خلفه ينادونه باسمه صارخين: «جاك! جاك!»، فلصق الاسم به10.

  • 1. إبهام المرجع حالة خاصة من عدم تعين الترجمة، ولا حاجة مباشرة هنا لشرح المفهوم. (المراجع).
  • 2. أن يطلق اسم نوع مخصوص على نوع أعم، خطأ شائع من أخطاء التصنيف، يكاد يكون طبيعياً في علم اللغات. على سبيل المثال، يطلق السوريون لفظ «كلينيكس»، وهو نوع محدد من المناديل الورقية، على كل أنواع المناديل هذه. كذلك لفظ «نيسكافيه» على كل أنواع القهوة الفورية. هذه ليست ترجمة خاطئة جذرياً، بحسب هاكينغ. هذه الأخيرة نراها، على سبيل المثال، في تحويل جملة «ماذا قلت» إلى اسم نوع حيواني. (المراجع).
  • 3. المعرفة القبلية a priori هي المعرفة القائمة على العقل والحقائق البديهية. والمنطق. تقابلها المعرفة البعدية a posteriori القائمة على الخبرة أو الملاحظة الشخصية. (المترجمة)
  • 4. هيلاري بوتنام، فيلسوف علم ولغة شهير، وأحد تلامذة كواين. (المراجع).
  • 5. vasistas بالفرنسية هي فتحة أو نافذة صغيرة مرتبة في نافذة أخرى كبيرة أو في باب (المترجمة).
  • 6. «ما هذا» بالألمانية (المترجمة)
  • 7. أصبحت العبارة من شعارات الثورة الفرنسية (المترجمة)
  • 8. أي أنها ليست جملة في الألمانية أخطأ أحد الفرنسيين في ترجمتها لتصبح كلمة تعبر عن نوع طبيعي، وهو التعريف الذي يعطيه هاكينغ للترجمة الخاطئة جذرياً. بل هي كلمة فرنسية استُخدمت في البداية بشكل واع لتعبر عن وظيفة الفتحة، وليس بسبب خطأ في الترجمة، ثم تغير معناها بالتدريج، كما يحدث مع الكثير من الكلمات، داخل اللغة. (المراجع).
  • 9. أو back-formation ويقصد بها في اللغة الإنكليزية كلمة تتشكل من كلمة أخرى موجود تبدو كما لو كانت مشتقة عنها، عادةً عن طريق إزالة نهايتها (مثلاً اشتقاق edit من editor أو إندري من إندرينا) بإزالة الحرفين الأخيرين.
  • 10. كلا الحالتين أخطاء في التصنيف، التي يراها هاكينغ طبيعية ومقبولة. (المراجع).